October 19, 2009

إيش يعني انتخابات المرأة يا أبلة؟

صحيفة الوطن
السبت 17 اكتوبر 2009

سألت الطفلة سارة معلمتها في المدرسة ببراءة طفلة في العاشرة من عمرها: "إيش يعني انتخابات المرأة يا أبلة"؟
ردت أبلة نورة المنقبة بحدة بالغة: "أستغفر الله، انتخابات النساء يا بنتي من عمل الشيطان وتفتح أبواب الفجور والمفاسد".
أجابت سارة بعد تردد واضح: "بس يا أبلة أنا سمعت أن انتخاب المرأة مهم لتطوير دورها في اقتصاد البلد".
لا يا بنتي، ردت أبلة نورة، "انتخابات المرأة بدعة ومفسدة".

كم مثل تلك "الأبلة" تعج بهن مدارس البنات في وطننا؟ يعتقد البعض – ومنهم من النساء – أن مجرد التفكير بانتخابات المرأة قد يؤدي إلى أن تلم المرأة بأمور مجتمعها ثم تتجرأ وتطالب بالمشاركة في تطوير المجتمع في النواحي الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية مثل بقية نساء العالم. كذلك قد ينتج عن ذلك مساهمة المرأة في مناقشة الأمور الاقتصادية العامة، وأن تقدم الحلول في مجالات التقنية والتجارة والصناعة. المرأة – بالنسبة لأبلة نورة على الأقل – مخلوق قاصر ناقص المفروض ألا تأكل في العزايم إلا من بقايا أكل الرجال، ويجب أن تنحصر مهامها في تطوير "المضغوط" و"المشبوس" وتحديث أساليب إتقان الشكشوكة والكبسة، إضافة طبعاً لعملها الأساسي في التفريخ الدائم والمستمر.

هناك من يتوجس خطراً من انتخاب المرأة، فقد تطالب المرأة بتطوير المناهج الدراسية وكأن ذلك يضر بالجيل الجديد ويتعارض مع تنمية ولائهم لبيتهم ووطنهم وحبهم لعائلاتهم وترابطهم مع المجتمع في بوتقة متناسقة متكاملة. يعتقد هؤلاء أن تطوير المناهج بحد ذاته يعتبر تهديداً لمستقبل أطفالنا ويحد من نموهم العقلي وقد يقضي على فرص نبوغهم وإبداعهم، لا بل وقد ينتج عن ذلك أيضاً إدخال مادة التربية البدنية في مدارس البنات فتصح أجسامهن وعقولهن وتتبلور شخصياتهن مما ينتج عنه انتشار الذنوب والمعاصي والمفاسد الأخلاقية. بالمناسبة صوّت مجلس الشورى منذ أكثر من خمس سنوات (75 مؤيداً و29 معارضاً للمشروع) ومازالت التربية البدنية تعتبر من الموبقات في مدارس البنات.

في نظر أبلة نورة، انتخاب المرأة قد ينتج عنه انتداب سيدات سعوديات مثقفات في مجالات العلوم والطب والفيزياء والإعلام والأدب ليمثلن المملكة في الندوات والمؤتمرات الدولية وهذا في حد ذاته بدعة ومفسدة. لا بأس أن تقتنص معاهد الأبحاث والجامعات العالمية بناتنا العالمات، ولا ضرر ولا ضرار أن يتحدث الرجال عن كل أمور الحياة بما فيها مواضيع الطفل والأسرة والمرأة والحضانة والطمث والحمل والولادة والرضاعة عوضاً عن إقحام المرأة الناقصة في متاهات ليس لها أول ولا آخر.

تتخوف أبلة نورة من أن تبدع المرأة في صُنع القرار مما ينتج عنه تقلدها مناصب قيادية في الوزارات والدوائر الحكومية والبنوك والشركات المفروض أنها محجوزة للرجال فقط. ليس مهماً بالنسبة لأبلة نورة أن نسبة النساء العاملات في المملكة لا تزيد عن 5 في المئة، المهم هو الابتعاد عن الانحلال الأخلاقي والتهديد الصارخ للتوازن الاجتماعي والفكري والصحوي الناتج عن انتخاب المرأة مما يؤدي لهلاك المجتمع وارتكاب النواهي والمحرمات. المفروض في نهاية الأمر أن نستمر في اتباع سياسة التهميش والإقصاء ضد شقائق الرجال ونحصر مجال المال والأعمال والتجارة وصُنع القرار على الرجال، فهم طبعاً أدرى بمصالح المرأة وأموالها منها.

لا تشجع أبلة نورة طالباتها على تصديق ما يقال عن مساوئ التمييز ضد المرأة، كما أنها تطلب منهن ألا يصدقن أن هناك عدداً هائلاً من القضايا المرفوعة من نساء ضد أولياء أمورهن وبعولهن بسبب استغلالهن والنصب عليهن والحصول على توكيل عام دون علمهن طمعا في رواتبهن أو ميراثهن.

كذلك تقول أبلة نورة إن أبواب الاستشارات الاجتماعية والقانونية عن نساء يعبرن عن إحساسهن بالظلم والاكتئاب والقهر والمعاناة والتعاسة ما هي إلا أكاذيب وأضاليل وخزعبلات. أما الطفلة سارة فهي تقرأ كل يوم في المجلات النسائية عن رجل سلب أموال زوجته أو سرق ميراثها أو استولى على رواتبها، أو منعها من الحصول على حضانة أطفالها أو النفقة من طليقها.

بالنسبة لأبلة نورة انتخاب النساء قد ينتج عنه إحلال المرأة مكان الرجل في محلات بيع الملابس النسائية الداخلية. هنا تبدع أبلة نورة في انفصام الشخصية وازدواجية التفكير، فهي لا تريد التعامل مع الرجال ولكن في نفس الوقت لا تؤيد عمل المرأة لخدمة المرأة. بمعنى آخر لا بأس مطلقاً من قيام الرجل (وخاصة الوافد) بمهمة بيع الملابس النسائية الداخلية للمرأة وما يشمل ذلك من شرح مقاساتها المختلفة بكل ألوانها وأشكالها وطريقة فكها وربطها ومطها وانكماشها وتمددها.

عفواً نسيت أن أذكر لكم أن في نهاية الحوار عنفت أبلة نورة الطفلة سارة قائلة: "لا تهتمي لأخبار انتخابات النساء يا سارة، قومي أشرح لك الدرس عن تغسيل الموتى وعذاب القبر".

October 10, 2009

كيف ورطتنا أرامكو

ما إن نلتقط أنفاسنا بعد تغطية آخر إنجاز وطني تقوم به تلك العَجَلَة الصناعية الثائرة التي لا تكل ولا تهدأ على ضفاف الخليج العربي حتى تصفعنا بموجة أخرى من المشاريع والانجازات الكونية. ما أنجزته شركة أرامكو خلال العشرين عاماً الماضية فاق بكل الإحصائيات والوقائع التاريخية والجغرافية ما قدمته دول لها نفس المكانة الاقتصادية والصناعية.
في كل مرة نسمع عن إنجاز جديد لسواعد رجال وعقول نساء أرامكو، نتورط نحن خارج هذه المنظومة "المسورة" ويشتد التنافس للحاق بهذه الانجازات أو ببعضها. من تلك الانجازات تشغيل المشاريع الصناعية على (وتحت) أرض الوطن، والتفاوض الناجح مع كبرى الشركات العالمية للتعاون لإيصال الطاقة إلى الإنسان في جميع أنحاء المعمورة، بل والعمل على تأمين "الطاقة للأجيال". ورطتنا أرامكو لصعوبة اللحاق بهذه الانجازات سواءً على مستوى الإنفاق المنضبط، أو شكل ونوعية الأداء، أو الفترة الزمنية لانجاز تلك المشاريع.
ليس هنا المجال لأن أعداد "الورطات" التي أقحمتنا فيها أرامكو ظلماً وبهتاناً وبالرغم عن أنوفنا. تورطنا عندما لم نلحق بموظف أرامكو في مكتبه ليبدأ عمله في ساعات الصباح الأولى بينما كنا نحن "خارج الشبك" نجر أقدامنا جراً غالباً بعد الثامنة لبدء دوامنا بتناول سندويتش كبدة مع شاي باعشن أصلي. تورطنا عندما شيدت أرامكو المدن الصناعية في أواسط الصحراء في حرض وشيبه أو تحت هدير أمواج الخليج العاتية في الخفجي والسفانية، بينما نحن نتأفف من مشوار لحضور اجتماع عمل قد لا يبعد بضع كيلومترات. ورطتنا أرامكو عندما دخلت وبقوة في ملكيات كثير من الشراكات الصناعية المتخصصة في أعمال التنقيب والإنتاج والتكرير والتسويق بينما نحن مازلنا نتصارع على ملكيات شركاتنا العائلية في أروقة المحاكم والمحافل القانونية العالمية.