November 30, 2012

قس وحاخام وشيخ على طاولة واحدة

قس وحاخام وشيخ على طاولة واحدة

عبد الله العلمي
الاقتصادية 30 نوفمبر 2012

مَنْ كان يتوقع أن يجلس القس والحاخام والبطريريك والهندوس وعلماء الدين المسلمون على طاولة واحدة لتأسيس منظومة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات؟ فيينا، المركز العالمي للأدب والعلوم والموسيقى احتضنت يوم الإثنين الماضي أكبر تجمع للأديان والثقافات تنوعاً وتألقاً وحضارة لتأسيس مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. كلمة وزير الخارجية سعود الفيصل جاءت قوية وواضحة؛ فهدف هذا المركز خدمة البشر ولأغراض السلام ونشر الخير على هذه الأرض وأن تكون الخلافات المذهبية عنصراً للتفاهم وليس عنصراً للتصادم.
قصر هوفبورغ احتضن أكثر من 600 شخصية عالمية لتأسيس مبادرة إنسانية واجتماعية كونية غير مسبوقة؛ إرساء وتعزيز احترام الرأي والرأي الآخر من خلال الحوار، وبناء جسور التواصل والتعامل مع المشكلات والاختلافات، وتعزيز التعاون بين مختلف المجتمعات المتنوعة فكرياً ودينياً وثقافياً وحضارياً.
نعم، نريد دفع مسيرة الحوار الإيجابي البناء والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات... كل الأديان وكل الثقافات. نعم، نريد ترسيخ احترام ثقافة التنوع وإرساء أسس العدل والسلام في جميع أنحاء العالم وبمختلف معتقداته وألوانه وأشكاله ولغاته. نعم نريد تحقيق السلام والتعايش والعدل والتغلب على الأزمات والحروب التي تواجه الإنسانية في معظم بقاع العالم.
شد انتباهي أن أعضاء مجلس إدارة مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات مكون من ممثلين عن أتباع الأديان والثقافات الأساسية العالمية؛ رئيس المجلس العالمي لآرية سماج الهندوسية، وعضو هيئة للتدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود، وأسقف من المجلس الأسقفي للحوار بين أتباع الأديان في الفاتيكان، ورئيس بطريركية القسطنطينية، وقس من مطرانية كانتربري، ورئيس ريشو كوسي كاي البوذية، والمدير الدولي لشؤون العلاقات بين أتباع الأديان لدى المجلس اليهودي الأمريكي، إضافة إلى مجموعة مميزة من علماء الدين الإسلامي.
آن الأوان ليعرف العالم أن الإسلام دين سمح ذو شفافية مطلقة تمكن من السعي للحوار بين أتباع كل الأديان. آن الأوان ليعرف العالم أننا نسعى إلى تعزيز التقارب مع جميع الأمم حتى وإن اختلفت مع عقيدتنا وثقافتنا. آن الأوان لنزع فتيل التصادم والخلاف والتنافر والتناحر بيننا وبين الأمم والثقافات. آن الأوان لنبذ العنف بجميع أشكاله الأيديولوجية المقيتة وأن نقضي على الإرهاب الفكري المتزمت على المنابر وفي الكنائس والمعابد. آن الأوان لبدء الحوار لتعزيز التعايش السلمي والتفاهم المشترك وإشاعة القيم الإنسانية بين مختلف الشعوب.
يسعى مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات إلى نشر قيم التسامح والمحبة والأمن والتعايش والسلام، من خلال ثلاثة محاور، تشمل احترام الاختلاف من خلال الحوار، وتأسيس قواسم مشتركة بين مختلف الجماعات، وتحقيق المشاركة الدينية والحضارية والمدنية بين القيادات الدينية والسياسية.
الإسلام دين رحمة والمسيحية دين محبة وهناك حتماً أوجه التقارب في بعض آيات القرآن وأسفار الإنجيل. وكما أن هناك أمورا متشابهة بين الإسلام والمسيحية، هناك أيضاً أمور مختلفة ويجب علينا وعليهم تقبل الاختلاف عن طريق التفاهم والحوار. يجب ألا ننسى أن المسيحيين هم من حموا نبينا وحبيبنا محمد - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين الأوائل في هجرتهم الأولى إلى الحبشة هربا من بطش قريش وظلمها، فحماهم النجاشي ملك الحبشة لأعوام عدة.
وسواء كان الاعتقاد أن الكتاب المقدس الذي أنزل على موسى هو التوراة، أو أن أحكام وشرائع التوراة فسرتها الشريعة الشفوية كما جاءت في الشرح الحاخامي وسُجِل لاحقا في التلمود، فإن هذا الاختلاف في الرأي مكانه الحوار بين أتباع الدين الإسلامي والأديان الأخرى دون قذف أو سب أو عنف أو إكراه.
كذلك يهمنا أن تتوقف أعمال العنف بين الهندوس والمسلمين في الولايات الشمالية في الهند والتي اندلعت فيها اشتباكات طائفية دامية دامت عشرات السنين. لا نريد أن يحطم الهندوس المتطرفون المساجد كما حصل في فايز أباد في ايوديا، أو أن تندلع حروب طائفية كما حصل فى أوتار براديش في تصعيد للتوتر بين الهندوس والمسلمين في هذه الولاية.
لا مكان في مركز الحوار لطبقة المنتفعين الذين استغلوا جهل الناس بحقيقة الأديان، فجعلوا من أنفسهم سدنة تلك التعاليم ليستفيدوا مادياً وسلطوياً منها سواءً كانوا كهنة أو قساوسة أو شيوخا. لا مكان في المركز لمن يطمح أن يكون لكل دين فرقاً متعددة يسودها الشقاق وتتنازعها الحروب لمئات السنين. علينا الاعتراف بأن جميع الأديان تنادي بعدم القتل والزنا والكذب والسرقة وأن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. هذه القواسم المشتركة هي بداية الطريق للتفاهم والحوار.
المشككون في نجاح هذا المركز لهم الحق في إبداء رأيهم، فإن سقف توقعات نجاح المبادرة مقارنة بالإنجازات الماضية لتفعيل الحوار ربما لم يكن مرتفعاً كثيراً في ظل النزاعات الدينية والطائفية في أماكن عدة حول العالم. لكن رسالة المركز واضحة جداً؛ تحقيق التعايش السلمي واحترام الآخر. الجميع في حاجة إلى تقريب الناس إلى بعض وإلى حل الأزمات بالطرق السلمية.
الآن وقد مددنا أيدينا لنصافح ''الآخر''، علينا أن ننزع ما تبقى من حقد وكراهية للأديان والثقافات الأخرى وأن نقف صفاً واحداً أمام المتطرفين من جميع الأديان. هذه هي فرصتنا الأخيرة فلعلنا لا نضيعها.
http://www.aleqt.com/2012/11/30/article_713595.html

November 23, 2012

أوقفوا هولاكو النساء والأطفال (2 من 2)

أوقفوا هولاكو النساء والأطفال (2 من 2)

عبد الله العلمي
الاقتصادية 23 نوفمبر 2012

يقول أليكس مارشال محرر التقرير الصادر عن الأمم المتحدة: إن المرأة تتوقع تمييزا ضدها من المهد إلى اللحد. تحدثت في الجزء الأول من المقال عن احتفال العالم في الخامس والعشرين من هذا الشهر (نوفمبر) بالمناسبة السنوية لإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة وعن تعرض النساء والأطفال للعنف جسدياً وجنسياً ونفسياً. كما ذكرت بإيجاز مشروع نظام الحماية من الإيذاء في السعودية والتقرير السابع للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وطرق الحد من العنف ضد المرأة والطفل.
في كل عام نستل أقلامنا من غمدها وننادي بضرورة أن تنال ظاهرة العنف ضد المرأة والطفل اهتماماً عالمياً ونناشد دول العالم أن تسن القوانين والتشريعات لحماية المرأة والطفل من جميع أشكال العنف. ليس هذا فحسب، بل إن منهاج العمل الدولي للمؤتمر العالمي للمرأة أكد "ضرورة اتخاذ إجراءات متكاملة لمنع العنف ضد المرأة والقضاء عليه، ودراسة أسباب ونتائج هذا العنف وفاعلية التدابير الوقائية لمنعه نهائياً". لكن - مع الأسف - أكثر من نصف الدول العربية لا تضمن الحماية الفاعلة للمرأة، أما تلك التي لديها محاكم ذات الاختصاص فهي بالكاد تنصف المرأة والطفل من الأعمال التمييزية المشينة لدرجة أن العنف ضد النساء والأطفال ما زال شائعا على نحو وبائي. ولو نظرنا إلى العالم ككل، فإن ظاهرة العنف ضد المرأة - مع الأسف - قد تبدو طبيعية ربما لكونها أنثى أو أنه يراد لها أن تكون مكسورة الجناح وقاصرة.
ما زالت تقارير الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونسيف) تؤكد أن العالم لم يحقق تقدما كبيرا نحو خفض معدلات العنف المنزلي وما زال العنف الممارس ضد النساء والفتيات يضرب بجذوره في كل الثقافات.
وفي كل عام نطرح الحلول الواحد تلو الآخر، طالبنا بضمان إجراء تحقيقات في حوادث العنف المنزلي والعائلي ومعاقبة مرتكبيها، طالبنا بنبذ فكرة التعذيب واستبدالها بترويض العقول الخشبية وصقلها حتى نصل لدرجة المساواة في حقوق المرأة والرجل لمنع العنف ضد النساء. وها نحن نطالب للمرة المليون بأن تحقق الشرطة في الاعتداءات التي تبلغ المرأة عن تعرضها لها وألا نقترف الخطأ مرتين بإقناعها بالعودة إلى منزلها لمواجهة المزيد من العنف. عندما تعود المعنفة إلى بيتها فإننا نرتكب جريمة بحقها إذا لم يتم إصلاح وترويض المُعَنِف.
طالبنا ونجدد المطالبة بأن نرسي أركان التكافل الاجتماعي. العنف العائلي يا سادة يدخل ضمن تهديد حرية الإنسان وكرامته، وبالتالي حقوقه كإنسان. طالبنا بالوقف الفوري لضرب وإهانة الزوجة والأطفال وعدم قبول أي تبرير من قبل الزوج الفحل أو تحميل الذنب للمرأة. طالبنا بتحسين الوضع المعيشي العام حتى لا يلعب العامل الاقتصادي دوراً ما في انتشار مظاهر العنف في إطار الأسرة. طالبنا بتصحيح مفهوم أن المرأة خلقت أساساً من ضلع أعوج، وأن نفهم التفسير الصحيح لكونها "ناقصة عقل ودين".
طالبنا بوضع برامج واقعية وهادفة لمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، ولا مانع من الاستعانة بالمنظمات الدولية الاجتماعية المختصة لمساعدتنا على تأسيس هذه البرامج. رسم "السياسات والآليات" لرعاية النساء وتأسيس المراكز لحماية وتأهيل النساء والفتيات ضحايا العنف وإعداد الدراسات لمعرفة الدوافع الحقيقية للعنف والإيذاء حلول جيدة ولكنها غير كافية. لا بد من سن الإجراءات القانونية الصارمة في التعامل مع قضايا العنف ضد المرأة والطفل بشكل حاسم وواضح وصريح. لا بد من مراجعة شاملة وشفافة لجميع القوانين والأنظمة المتعلقة بحقوق المرأة والطفل. لا بد من إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة وحمايتها، وإجراء التعديلات اللازمة التي تكفل المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة.
ليس عيباً أن تدار حلقات توعية وتدريب للعاملين في أجهزة الدولة المعنيين مثل الشرطة وهيئة الأمر بالمعروف والقضاة بكيفية التعامل مع حالات العنف ضد المرأة. ليس عيباً أن ندمج مبدأ ضرورة احترام المرأة في مناهجنا الدراسية عوضاً عن السخرية منها أو الالتزام صماً بكماً بما ورد من بعض الفتاوى الإقصائية التي لا تمت للأديان السماوية أو المنطق بصلة.
وللطفل حكاية أخرى. تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى تعرض ما بين 500 مليون و1.5 مليار طفل للعنف سنوياً، كما أن ما بين 20 في المائة و65 في المائة من الأطفال الذين في سن المدرسة يتعرضون للتحرش اللفظي أو البدني ويتعرض طفلان من بين كل ثلاثة أطفال للعقوبة البدنية. معظم العنف ضد الأطفال يرتكبه أشخاص يعرفهم الطفل وربما يثق بهم.
أما المؤلم أكثر فهو تعرض بعض فئات الأطفال بصفة خاصة للعنف مثل الأطفال المعوقين والأطفال الذين ينتمون إلى فئات الأقليات والأطفال الذين يقيمون في الشوارع والأطفال المشردين والنازحين. في السعودية، سجل برنامج الأمان الأسري خلال عام ونصف حتى شباط (فبراير) 2012 أكثر من 615 حالة إيذاء للأطفال.
من هذا المنطلق، أدعو لتأسيس مركز متخصص للقضاء على العنف يعتمد على أسس الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة على مستوى العالم العربي. أرحب بجميع آراء القانونيين والأكاديميين والمختصين في علوم النفس والاجتماع والإعلام. رحب بالفكرة الكاتب السعودي جمال بنون، والإعلاميتان دلال عزيز ضياء وهناء الركابي، والإعلامية اللبنانية رانيا برغوث، والناشط الموريتاني أحمد ولد مصطفى والناشطة الجزائرية ياسمين دوراري، والكاتب المسرحي الأردني عبد الحليم المحارمة، والصحافية المصرية مروة مرعي والعشرات غيرهم.
أعلم من تجاربي السابقة أن تأسيس مؤسسات المجتمع المدني تصطدم بالبيروقراطية وأمور أخرى، لكن القافلة ستستمر لتحقيق أهدافها.
http://www.aleqt.com/2012/11/23/article_711808.html

November 21, 2012

متي تقود السعودية السيارة؟

متي تقود السعودية السيارة؟





نبذة عن الكتاب:



أطرح في كتابي مسيرة قيادة المرأة للسيارة وخاصة ما يتعلق بتقديم المبادرة لمجلس الشورى السعودي التي بدأت في يناير 2011م، بما في ذلك المراسلات والاتصالات والاجتماعات بين الكاتب وبين بعض أعضاء المجلس. تم إعداد المبادرة اعتماداً على مبدأ أن الإسلام ضمن للمرأة حقوقها الشرعية والمدنية، وقيادة السيارة حق للمرأة كما هو حق للرجل. تحتوي المبادرة على دراسة علمية للملفات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بقيادة المرأة للسيارة، مع تحليل واقعي للجانب الإيجابي للمبادرة والنتائج السلبية الناجمة عن تواجد مئات ألوف السائقين الأجانب في المملكة العربية السعودية. المملكة جزء لا يتجزأ من بقية دول العالم، ولكن للأسف نصف المجتمع معاق في تحركاته. لدي اقتناع أن البديهيات في حياة المرأة السعودية ما زالت غير متوافرة؛ الأسباب كثيرة ومنها الموروثات الاجتماعية والتقاليد والأعراف.
    الموضوع ليس فقط قيادة المرأة للسيارة، ولكن أن تقود حياتها بنفسها وأن تحصل المرأة السعودية على بقية حقوقها مثل حرية إدارة شؤونها المالية دون وكيل شرعي، وحقها في التعليم والابتعاث والعلاج والسفر دون إذن ولي أمرها، وحقها في اختيار شريك حياتها دون إكراه، وحقها في النفقة والرعاية وحضانة أطفالها وحمايتها من العنف الأسري. كذلك تتطلع المرأة السعودية إلى المشاركة في الحياة السياسية كسفيرة تمثل بلادها ووزيرة ترعى مصالح الوطن والمواطنين.
    يتضمن الكتاب أكثر من 50 تقريرًا صحفيًا ومقالًا (مؤيدًا أو معارضًا) لموضوع القيادة إضافة إلى تحليل مفصل عن التحديات الاجتماعية والدينية والنظامية التي تواجه مبادرة قيادة المرأة للسيارة.
    في نهاية الكتاب أناشد سماحة المفتي العام للمملكة أن يوجه بدراسة جادة لموضوع قيادة المرأة للسيارة في ظل متغيرات العصر وأن تحسم السلطة السياسية الجدل القائم حول هذا الموضوع كما حسمت من قبل أزمة تعليم المرأة وكذلك عضويتها في مجلس الشورى وترشيحها في المجالس البلدية

المؤلّف
عبد الله العلمي
الكتاب
متي تقود السعودية السيارة؟
الناشر
مدارك
سنة الاصدار
2012
عدد الصفحات
280
ISBN
978-9948-425-18-2

November 16, 2012

أوقفوا هولاكو النساء والأطفال - 1

أوقفوا هولاكو النساء والأطفال ( 1)

عبد الله العلمي
الاقتصادية - 16 نوفمبر 2012
يحتفل العالم في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) بالمناسبة السنوية لإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة. الأمم المتحدة دعت الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى تنظيم أنشطة في ذلك اليوم تهدف إلى زيادة الوعي العام بتلك المشكلة. سأخصص مقالي هذا الأسبوع والأسبوع المقبل لهذا الموضوع المهم.
تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن كل امرأة من أصل ثلاث نساء على الأقل في العالم يحتمل تعرضها للضرب والإكراه على ممارسة الجنس أو الاعتداء عليها بطريقة أخرى في حياتها. في كثير من الأوقات يهدف الجناة لتشويه صورة المرأة وتحويلها إلى مذنبة وهي في الحقيقة ضحيّة. لهذا، فإنّ مناداة المرأة بحقوقها وحقوق طفلها ليس أمراً عبثيّاً، بل تتطلب حملات قوية ومنظمة ضد جميع أشكال العنف ضد المرأة والطفل في جميع أنحاء العالم. يجب تعبئة الرأي العام لضمان تأسيس مفهوم حكومي صارم ومجتمعي متكافل لمنع العنف ضد المرأة والطفل.
هذا اليوم هو تكريم للمغتصبات في عهد القذافي، وللسيدات الإفريقيات اللاتي تعرضن للاغتصاب من قبل المجموعات المسلحة الرواندية والكونغولية والبورندية، والمواطنة التونسية التي تعرضت للاغتصاب من رجال شرطة قبل فرضهم على صديقها دفع مبلغ من المال تحت التهديد بإحالته وإياها على القضاء بتهمة ارتكاب عمل مخل بالحياء. هذا اليوم هو تكريم للفتاة الباكستانية ملالا التي تعرضت لهجوم مسلح من قبل حركة طالبان بسبب ''جريمتها'' الشنعية، وهي مناداتها بأن تحصل المرأة على حقها في التعليم. هذا اليوم هو تكريم لطفلة الرياض ''لمى''، وطفلة نجران ''هالة''، وطفلة شرورة ''فاطمة''، وطفلة ينبع ''تالا''، ومعنفة المفك في جدة وغيرهن من النساء. هذا اليوم هو تكريم للنساء اللاتي يتعرضن لشتّى أنواع العنف والتعذيب ومن ضمنها حرمانها من الكثير من حقوقها المشروعة.
تسقط امرأة من كل خمس نساء ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب في أماكن متفرقة حول العالم. بصراحة لا أعلم كيف توصف المرأة بالحبّ والأمان ويسهل في الوقت نفسه تعنيفها والاعتداء عليها بالاتجار والتحرش الجنسي والتعذيب الوحشي وفي كثير من الأحيان قتلها من دون أي سبب. لا يجب بتاتاً السكوت على هذه الجرائم، بل يجب تسليط الضوء إعلامياً ومجتمعياً على قضايا العنف ضدّ المرأة والطفل. الأمين العام للأمم المتحدة كان أكثر وضوحاً حين قال ''إن العنف ضد المرأة والفتاة يترك بصمته الشنيعة على كل القارات والبلدان والثقافات''.
ليس بالضرورة أن يكون العنف ضد المرأة والطفل جسدياً أو نفسياً فقط، منع مشاركة المرأة الفاعلة في التنمية وحرمانها من حقوقها المشروعة أيضاً يعتبر عنفاً ضد المرأة وعائقا أمام تحقيق أهداف التنمية.
في المملكة العربية السعودية عرف نظام الحماية من الإيذاء (الذي تمت الموافقة عليه في 13 مايو 2012م بعد دراسة ثلاث سنوات ويتكون من 17 مادة)، الإيذاء بأنه كل شكل من أشكال الاستغلال أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية، أو التهديد به، يرتكبه شخص تجاه شخص آخر، بما له عليه من ولاية أو سلطة أو مسؤولية أو بسبب ما يربطهما من علاقة أسرية أو علاقة إعالة أو كفالة أو وصاية أو تبعية معيشية، ويدخل في إساءة المعاملة امتناع شخص أو تقصيره في الوفاء بواجباته أو التزاماته في توفير الحاجات الأساسية لشخص آخر من أفراد أسرته، أو ممن يترتب عليه شرعا أو نظاما توفير تلك الحاجات لهم. لكن لدي تحفظ على ضعف وسهولة العقوبات في النظام التي تنص على الحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة، وغرامات مالية لا تقل عن خمسة آلاف ريال، ولا تزيد على 50 ألف ريال أو إحدى العقوبتين.
تصلني رسائل باستمرار من سيدات تعرضن للإيذاء والعنف في المنزل وفي أماكن العمل والأماكن العامة، لكن المرأة عامة وفي السعودية تحديداً لا تُصَعِّد الشكوى قضائياً لعدة أسباب من أهمها النظرة الدونية للمرأة وتحميل المرأة العبء الأخلاقي لأنها في معظم الوقت داخل دائرة الاتهام. بلغ عدد البلاغات الواردة لمركز الحماية الاجتماعية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية في الرياض 425 بلاغا، مكة المكرمة 159، عسير 101، الطائف 60 حالة، وفي الدمام 52 حالة.
التقرير السابع للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان يؤكد أن 20 في المائة من القضايا الواردة للجمعية في 1431هـ كانت نتيجة للعنف الأسري ضد المرأة والطفل في أعلى تسجيل لها منذ بداية إنشاء الجمعية في 1425هـ، وكان الزوج هو المسؤول عن العنف ويليه الأب في معظم هذه الحالات.
هناك طرق عدة لتوعية المجتمع حول الحد من العنف ضد المرأة والطفل، ومنها تنظيم جمعيات مجتمع مدني مثل جمعية ''الشريط الأبيض'' التي تضم نخبة من الرجال من أجل إنهاء العنف ضد المرأة وإشاعة ثقافة تنظيمية ترفض العنف ضد المرأة. كذلك هناك دور كبير على القضاة وخطباء المساجد والإعلاميين والتربويين والأسرة في التعريف بخطورة العنف ضد المرأة والطفل.
آن الأوان لكسر جدار الصمت ورفع الصوت عالياً لتجريم كل أنواع العنف ضد المرأة والطفل، لذلك أقترح وضع أطر قانونية صارمة تشمل مختلف أشكال العنف وقوانين لمعاقبة المُعَنِفين وتوفير خدمات مباشرة لضحايا العنف.
في الجزء الثاني سأحدثكم عن تأسيس جمعية عربية ضد العنف ضد المرأة والطفل.
http://www.aleqt.com/2012/11/16/article_710021.html

November 10, 2012

متى تقود السعودية السيارة؟




بمناسبة مرور 22 عاماً على انتزاع المرأة السعودية حقها بقيادة السيارة في الرياض في 6 نوفمبر 1990، واليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (25 نوفمبر)، يسرني أن أصدر كتابي الجديد "متى تقود السعودية السيارة" في معرض الكتاب بالشارقة 8-17 نوفمبر 2012م من إصدار دار مدارك للنشر.
أطرح في كتابي مسيرة قيادة المرأة للسيارة وخاصة مايتعلق بتقديم المبادرة لمجلس الشورى السعودي التي بدأت في يناير 2011م بما في ذلك المراسلات والاتصالات والاجتماعات بين الكاتب وبين بعض أعضاء المجلس. تم اعداد المبادرة اعتماداً على مبدأ أن الإسلام ضمن للمرأة حقوقها الشرعية والمدنية، وقيادة السيارة حق للمرأة كما هو حق للرجل. تحتوي المبادرة على دراسة علمية للملفات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بقيادة المرأة للسيارة، مع تحليل واقعي للجانب الإيجابي للمبادرة والنتائج السلبية الناجمة عن تواجد مئات ألوف السائقين الأجانب في المملكة العربية السعودية. المملكة جزء لايتجزأ من بقية دول العالم، ولكن للأسف نصف المجتمع معاق في تحركاته. لدي اقتناع أن البديهيات في حياة المرأة السعودية مازالت غير متوافرة؛ الأسباب كثيرة ومنها الموروثات الاجتماعية والتقاليد والأعراف.
الموضوع ليس فقط قيادة المرأة للسيارة، ولكن أن تقود حياتها بنفسها وأن تحصل المرأة السعودية على بقية حقوقها مثل حرية إدارة شؤونها المالية دون وكيل شرعي، وحقها في التعليم والابتعاث والعلاج والسفر دون إذن ولي أمرها، وحقها في اختيار شريك حياتها دون إكراه، وحقها في النفقة والرعاية وحضانة أطفالها وحمايتها من العنف الأسري. كذلك تتطلع المرأة السعودية إلى المشاركة في الحياة السياسية كسفيرة تمثل بلادها و وزيرة ترعى مصالح الوطن والمواطنين.
يتضمن الكتاب أكثر من 50 تقرير صحفي ومقال  مؤيد أو معارض لموضوع القيادة إضافة إلى تحليل مفصل عن التحديات الاجتماعية والدينية والنظامية التي تواجه مبادرة قيادة المرأة للسيارة.
في نهاية الكتاب أناشد سماحة المفتي العام للمملكة أن يوجه بدراسة جادة لموضوع قيادة المرأة للسيارة في ظل متغيرات العصر وأن تحسم السلطة السياسية الجدل القائم حول هذا الموضوع كما حسمت من قبل أزمة تعليم المرأة وكذلك عضويتها في مجلس الشورى وترشيحها في المجالس البلدية.

الكتاب يشمل الأجزاء التالية:

·        مقدمة
·        تقديم: بقلم الأستاذة إيمان النفجان
·        المبادرة
·        تسليم المبادرة باليد لمجلس الشورى
·        كيف يعمل مجلس الشورى
·        المبادرة بين يدي خادم الحرمين الشريفين
·        عرض المبادرة على شخصيات نافذة
·        خلاصة عن تقديم الدراسة لمجلس الشورى
·        وزارة الداخلية
·        منال الشريف
·        تقارير ومقالات
·        مبادرات أخرى
·        التحديات التي تواجه المبادرة:
-       الفتاوى الدينية
-       دراسة صبحي
-       هل المرأة مساوية للرجل؟
-       المرأة عدو المرأة
·        قيادة المراة للسيارة في دول مجلس التعاون
·        الخلاصة
  
تتوفر إصدارات دار مدارك للنشر في جميع فروع مكتبة دبي للتوزيع.

موقع مدارك

November 9, 2012

الآن وقد فاز الرئيس أوباما




الآن وقد فاز الرئيس أوباما

عبد الله العلمي

الآن وقد فاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالانتخابات الأمريكية وبدأ ولايته الثانية بهمة ونشاط، قد يكون من المفيد أن نطرح قضايانا على طاولة الرئاسة في البيت الأبيض لتحديد هوية العلاقات السعودية - الأمريكية في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية.
مرحلة التوتر التي مرت بها العلاقات السعودية - الأمريكية بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 أصبحت شيئاً من الماضي، رغم أن البعض في مجلسي الشيوخ أو الكونجرس قد يسعى لتأجيج هذه الذكرى بدعوى تورط الحكومة السعودية في هذه الأحداث. أتوقع أن ''ينشط'' أي عضو في أي من هذين المجلسين مطالباً بضرورة ''إعادة تقييم العلاقات مع الرياض''.
ليس من المستبعد أن يبادر أحد السياسيين الأمريكيين لسبب أو لآخر بإثارة مشروع قرار مثل ذلك الذي قدمه السيناتور أرلن سبكتر أو مشروع السيناتور أنتوني وينير أو من مجموعة الحرس القديم مثل سوزان كولنز وليندساي جراهام وشوك شومر وورون وايدن للنيل من العلاقات بين البلدين. الهدف واحد، هو اتهام السعودية بأنها تمول المنظمات الإرهابية في تكرار ممجوج لأكاذيب اللوبي الصهيوني بأن السعودية تحض على معاداة اليهود والسامية. كما أنه ليس من المستبعد أن يظهر على الملأ كتاب جديد مثل كتاب ''نهاية الشر'' الذي ألف أحداثه الوهمية السياسي المخضرم ريتشارد بيرل.
علينا أن نتوقع أنه في حال تحسن العلاقات السعودية - الأمريكية، قد ينفث أحد أعضاء الكونجرس نواياه لإشعال فتيل مشروع ''قانون محاسبة السعودية''. ليس من المستبعد أن تظهر نسخة جديدة من عضو الكونجرس بوب جراهام الذي اتهم الحكومة السعودية أخيرا بأنها ربما تكون لعبت دورا ''مباشرا'' في أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، كما أنه ليس من المستبعد أن يظهر سيناتور سابق مثل بوب كيري ليشكك في مصداقية المؤسسات السعودية وعلاقتها بإشعال أعمال إرهابية في الولايات المتحدة.
لا أستبعد أن تتفتق عبقرية أحد النواب لحمل لواء حرب إعلامية جديدة على السعودية مثل تلك التي اشتهر بها النائبان براد شيرمان وإد رويس. كذلك لا أستبعد أن يصل الخيال الهوليودي بأحد أعضاء مجلس الشيوخ لفبركة مسلسل طويل وممل، كما فعل السيناتور إيفان بايه والسيناتور جيمس ريش عندما حثا الرئيس باراك أوباما أخيرا على الضغط على الدول العربية لتقديم المزيد من التنازلات والمبادرات ''السلمية'' لإنهاء المقاطعة العربية للكيان الصهيوني.
لكن المياه ليست كلها ملوثة، فقد زار بيت التجار في جدة في آخر أيلول (سبتمبر) 2012 وفد مكون من كبار موظفي ومساعدي ومستشاري الكونجرس الأمريكي. لم يكن هدف الزيارة سياسياً فقط، ولا سيما أن المملكة تعتبر الشريك الأول في الشرق الأوسط للولايات المتحدة، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 55 مليار دولار. لا أريد أن أدخل في متاهات اقتصادية هنا وبحث موضوع أثار ربط الريال بالدولار، لكني متأكد أن البيت الأبيض يعلم تماماً أهمية هذا الربط، بل يعمل على ألا يشوبه أي خلل على الأقل طالما أن النفط يتداول بالدولار.
كذلك تستضيف غرفة الشرقية غداً السبت وفد الغرفة التجارية العربية الأمريكية المشتركة الذي يترأسه عمدة هيوستن أنيس باركر، حيث يلتقي الوفد رجال الأعمال في المنطقة الشرقية. أعتقد أن هذه الاجتماعات مهمة جدا، ولا سيما أن الشركات الأمريكية المشاركة في الاجتماعات متخصصة في مجالات الطاقة، والطيران، والقانون، والخدمات الصحية والتعليمية، والخدمات الفندقية، والمالية.
الآن وقد حافظ الديمقراطيون على سيطرتهم على مجلس الشيوخ، قد يكون من المفيد أن نطور أدوات الضغط التي نملكها للتأثير في صانع القرار في الولايات المتحدة. هذا ما تفعله إسرائيل، وهكذا استطاعت التوغل في عمق السياسة الخارجية للبيت الأبيض لتحقيق أهدافها في المنطقة وحول العالم. أقترح أن نوطد العلاقة مع ممثلي الولايات الرئيسة، لأن أصوات هذه الولايات تؤثر في صنع القرار.
قد يكون من المفيد أيضاً أن نستثمر علاقاتنا مع الحزب الجمهوري الذي يهيمن تقريباً على مجلس النواب في الكونجرس الأمريكي. وقد يكون من المفيد أن نستفيد من الانقسام الجديد داخل الكونجرس عوضاً عن أن نكيل لهم التهم تلو الأخرى من دون اتخاذ أي قرار فاعل لكسبهم في صفوفنا. المعادلة ليست سهلة، لكن بإمكاننا العمل على تفكيك واحتواء أجزاء منها إذا حاولنا. أعضاء مجلس النواب عددهم 435 عضوا وأعضاء مجلس الشيوخ 100 والمعلومات عنهم وعن توجهاتهم متوافرة للاستفادة من تأثيرهم في صانع القرار.
يهم كل من السعودية والولايات المتحدة أن تزداد فرص زيادة التعاون السياسي والتجاري والاستثماري بين البلدين. قد لا نتفق مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لكن الأجدى أن نفهم طريقة صياغة هذه السياسات للاستفادة من إيجابياتها وتغيير سلبياتها إن استطعنا عوضاً عن أن يكون إنجازنا الأكبر هو كيل السب والشتم والدعاء عليها في ظل عالم جديد مستيقظ ومتغير.
الاقتصادية
9 نوفمبر 2012




November 6, 2012

كتاب : متى تقود السعودية السيارة؟



بمناسبة مرور 22 عاماً على انتزاع المرأة السعودية حقها بقيادة السيارة في الرياض في 6 نوفمبر 1990، واليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (25 نوفمبر)، يسرني أن أصدر كتابي الجديد "متى تقود السعودية السيارة" في معرض الكتاب بالشارقة 8-17 نوفمبر 2012م من إصدار دار مدارك للنشر.

الكتاب يشمل الأجزاء التالية:

·        مقدمة
·        تقديم: بقلم الأستاذة إيمان النفجان
·        المبادرة
·        تسليم المبادرة باليد لمجلس الشورى
·        كيف يعمل مجلس الشورى
·        المبادرة بين يدي خادم الحرمين الشريفين
·        عرض المبادرة على شخصيات نافذة
·        خلاصة عن تقديم الدراسة لمجلس الشورى
·        وزارة الداخلية
·        منال الشريف
·        تقارير ومقالات
·        مبادرات أخرى
·        التحديات التي تواجه المبادرة:
-       الفتاوى الدينية
-       دراسة صبحي
-       هل المرأة مساوية للرجل؟
-       المرأة عدو المرأة
·        قيادة المراة للسيارة في دول مجلس التعاون
·        الخلاصة
  
تتوفر إصدارات دار مدارك للنشر في جميع فروع مكتبة دبي للتوزيع.

موقع مدارك


November 2, 2012

القطار.. ومعاقبة المخالفين

القطار.. ومعاقبة المخالفين

العنوان الأصلي (قبل تغييره من الصحيفة): غزوة القطار
عبد الله العلمي
2 نوفمبر 2012

وصلت أخبار سالفة القطار إلى معظم أنحاء العالم؛ حتى هنا في إسطنبول يتداولون الموضوع باستغراب. الأسبوع الماضي تدافع الحجاج المتعجلون وقد هرعوا حول قطار مزدلفة والمفترض أنه قطار نموذجي تكلفته 6 مليارات ريال وبطاقة 540 ألف حاج. ما أن اختتم الحجيج رحلة حجهم ومغادرة مكة المكرمة، حتى كانت لجنة التحقيق المفترضة - وما أكثر لجان التحقيق التي لا تغني ولا تسمن من جوع - تباشر أعمالها في المشكلة التي حصلت في حركة القطار.
كالعادة عند تشكيل لجان التحقيق، تسابقت الجهات المعنية بالحدث بتوجيه الاتهامات للجهات الأخرى وكأن كلا منها تعمل لهدف منفرد ومن كوكب مختلف. الشركة المشغلة للقطار اتهمت مؤسسة الطوافة ممثلة باللجنة الوطنية للحج والعمرة بعدم التزامها بزمن التفويج نحو المحطة. لم تصمت مؤسسة الطوافة كثيراً فوجهت بدورها الاتهام لجهة بيع التذاكر التابعة لوزارة الشؤون البلدية والقروية ببيع حجاج مخالفين تذاكر القطار وطالبتها بتعويضات لقاء الضرر الذي لحق بها. أضف إلى ذلك معضلة 200 ألف حاج من غير حاملي التذاكر نقلهم قطار المشاعر مع الآخرين.
علمت أن لجنة التحقيق بدأت تحقيقاتها في صحة (أو عدم صحة) حيثيات بيع التذاكر بصورة غير نظامية، وكأننا كنا قد انتظمنا أصلاً في معاملاتنا الأخرى سواء التجارية أو الإدارية أو حتى في حياتنا اليومية. التحقيقات الأولية أشارت إلى عدم التزام مؤسسة الطوافة بزمن التفويج. لم أستغرب كثيراً لعلمي المسبق أننا آخر من يحترم دقة الوقت مع أنفسنا ومع الآخرين.
الخلل واضح للعيان ويتكون من عدة جزئيات؛ هناك جهة ما مسؤولة عن تكدس عدد هائل من الحجاج المخالفين أمام محطة القطار. لا تسألوني من أين أتى الحجاج المتسللون فالرواية الرسمية تؤكد أن عددهم مليون ومائتي ألف حاج وهم يتكاثرون كالنمل في يوم عرفة أو ليلة التروية في منى. لو أن هذا العدد الهائل من الحجاج قد أتوا من الخارج فهم يحتاجون إلى 6200 رحلة جوية لنقلهم للسعودية، ولو أن من بينهم حجاج الداخل فلا بد أنهم دخلوا عبر وسائلهم ''الذاتية'' وهي خصوصية تعودنا على استعمالها في أوقات حرجة مثل تسريع إنهاء معاملة أو الحصول على مقعد على خطوطنا الجوية أو سرير في مستشفى متخصص في إحدى المدن الرئيسية.
بيع تذاكر القطار بصورة غير نظامية من قبل الجهة المسؤولة عمل لا يرقى لبلد يسخر إمكاناته لتقديم أفضل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام. ممثل الشركة في أحد منافذ بيع التذاكر قرب مستشفى النور نفى بيع التذاكر (المضروبة) واتهم مؤسسات الطوافة نفسها ببيع هذه التذاكر. هذا طبعاً خطأ إداري فادح أن تتولى أكثر من جهة بيع التذاكر في آن واحد دون تنسيق بينها.
الخلل الثاني هو وجود حجاج مخالفين يحملون تذاكر قطار بيعت عليهم بطريقة غير نظامية، أي أن الحجاج الذين دخلوا بطرق غير نظامية أيضاً حصلوا - بطريقة أو أخرى - على تذاكر قطار المفترض أنها تباع للحجاج المنتظمين فقط دون غيرهم. اللجنة الوطنية للحج والعمرة سلمت شكوى لوزارة الحج ضد الشركة المشغلة للقطار تتهمها بالتسبب في تحميلها تكاليف نقل نحو 70 ألفا من حجاج الداخل عبر الحافلات رغم حيازتهم تذاكر نظامية.
الخلل الثالث هو أن بعض الترتيبات والضوابط التي يتم وضعها قبل بداية الحج قد لا تطبق بالدقة المطلوبة، هناك مستحقون فعليون من حجاج الداخل اضطروا للانتظار فترات طويلة دون الحصول على مقعد رغم أنهم يمتلكون تذاكر القطار. قد يكون أحد الأسباب هو رفض بعض الحجاج مغادرة القطار ربما عن حسن نية وربما غير ذلك.
توالت خطابات الشكوى والاحتجاج، فهناك أيضاً خطاب يتم إعداده من قبل شركات ومؤسسات حجاج الداخل، يطالبون بتعويضات بمئات الملايين لتعويض حجاج تضرروا من مشكلة تأخر نقلهم في الوقت المناسب، أو أنه تم نقلهم بحافلات لا ترقى للـ ''بَكِج'' التي وُعِدوا بها.
طيب من المتسبب في التدافع والزحام فيما حصل مع القطار؟ لا أحد يعلم أو بالأحرى لا أحد يريد أن يعترف بالخطأ. المحطات كانت تعج بالحجاج سواء كانوا نظاميين يمتلكون تذاكر، وبادروا بالقدوم قبل مواعيدهم المحددة مسبقاً، أو من قبل حجاج مخالفين للأنظمة، ما أربك خطة التفويج الأصلية ونتج عنه تكدس الركاب في المحطات.
بما أننا نتحدث عن المخالفين، القوة الخاصة لأمن الطرق منعت 4429 مركبة ما بين حافلات غير مرخصة وسيارات صغيرة لا يسمح التنظيم المروري بدخولها المشاعر المقدسة. أعتقد أننا وظفنا في موسم هذا الحج قوة أمنية لخدمة الحجاج قوامها أكثر من 120 ألف رجل أمن، إضافة إلى عشرة آلاف آلية و25 طائرة عامودية للدفاع المدني، و20 طائرة عامودية للأمن العام، يعمل بها 360 طياراً وفنياً، و1000 مسعف، و100 دورية أمنية متجولة، و200 مركز أمني. كل هذا جهد كبير تبذله السعودية كواجب إسلامي، ولكن طالما أنه لا توجد عقوبة للمخالفين فالفوضى ستستمر بغض النظر عن حجم رقابة الجهات الحكومية المشاركة في الحج.
الحل يا سادة هو معاقبة المخالفين المتسللين من الداخل أو الخارج، وإدارة أكثر تنظيماً للحشود عبر إحكام السيطرة على الدخول والخروج من محطات القطار، ومنع الافتراش في محطات القطار.
القطار الشمالي الجديد قادم في العام القادم. فهل سيتم تزوير ''سوار المعصم'' أو تداوله في السوق ويتكرر نفس الوضع ليخدش الإنجاز الكبير؟
متى نكف عن تقييد أخطائنا ضد مجهول؟