July 31, 2014

الإمام المفحط

الإمام المفحط
عبدالله العلمي
31 يوليو 2014

يبدو أن أول من "جاب العيد" هذا الأسبوع هو إمام وخطيب مسجد بمحافظة بيش في منطقة جازان. فقد زاول هذا الإمام الهمام هواية التفحيط بسيارته في الرواق الذي تم تخصيصه للنساء لصلاة العيد! هدف الإمام المغوار هو تفريق النساء الحاضرات لصلاة العيد وإفزاعهن.
هذا ليس كل شئ، بل كاد الإمام الغراندايزر أن يدهس عددا من شباب القرية الذين حاولوا ثنيه عن تحطيم الرواق. محصلة "غزوة رواق العيد" كانت مشادة كلامية بين الإمام وبين الأهالي، ومغادرة البعض مع نسائه دون أداء الصلاة.
بصراحة أشفق على الجهة المسؤولة، وهي في هذه الحالة، وزارة الشؤون الإسلامية. لماذا؟ لأن الوزارة مازالت بصدد التحقيق مع نحو 100 خطيب جمعة مفحط آخر، لعدم التزامهم بتخصيص خطبة الجمعة لتجريم أحداث الإرهاب التي شهدها منفذ الوديعة الحدودي في شرورة خلال شهر رمضان المبارك.
أتفق تماماً مع الوزارة أنه لا يجب أن يكون هناك مجاملة لأئمة المساجد والخطباء الذين يخالفون ما يخص قضايا الأمن الفكري والإرهاب، ولكني أعتقد أن العقوبات بحق الخطباء "المفحطين" بلفت النظر ثم إيقاف مؤقت ثم إيقاف المكافأة المخصصة ثم طي القيد في حال رأت اللجنة عدم تجاوب الخطباء غير كافية.
وكما هو الحال في "غزوة رواق العيد" في جازان، لم تَسْلَمْ المرأة من أذى وتفحيط إمام وخطيب جامع كبير في جدة رفض دخول المرأة لانتخابات الغرف التجارية. يأتي هذا التفحيط – حسب رأي فضيلة الخطيب - من منطلق سد الباب الذي تدخل منه ريح التغريب للمجتمع، وأن إجتماع المال والنساء بغير هدى شرعي يؤدي إلى فساد وميل المجتمع عن الصراط المستقيم، وكذلك دفع المرأة للمشاركة في مجالات الحياة دون تمييز بين طبيعتها وطبيعة الرجل. لا أعلم لماذا يقحم هؤلاء مصطلح "التغريب" في كل شاردة وواردة بسبب وبدون سبب!
لاشك أن المرأة هي الشغل الشاغل لمفحطي الغلو والتشدد ليس فقط في "غزوة رواق العيد" في جازان و "غزوة انتخابات غرفة جدة"، بل أن عنصرية التفحيط متألقة أيضاً في تبوك. فقد وصف خطيب مفحط وإمام مسجدٍ في خطبة الجمعة هناك مديرة إحدى المدارس الثانوية بأنها "سفيهة السفيهات"، لأنها طبقت برنامج "كوني أميرة" الذي أقرته وزارة التربية والتعليم. البرنامج يهدف إلى رفع مستوى الذوق العام ومعرفة تفاصيل التعامل مع المواقف السلوكية، ويعكس الصورة الإيجابية للفتاة المسلمة وفن التعامل، وفن الهدايا وآداب المائدة. كالعادة، تم التحقيق "الناعم" مع الخطيب وتم إيقافه عن الخطابة، نقطة في آخر السطر!
من حالات تفحيط الخطباء الأخرى، دعاء خطيب وإمام مسجد بحي النهضة في الرياض على عبدالفتاح السيسي – عندما كان وزيراً للدفاع - بقوله: "اللهم اجتث بشار والسيسي". بغض النظر عن وجهات النظر، أتعاطف مع الاخوة المصريين الذين أثار الخطيب المفحط حفيظتهم فتعالت أصواتهم برفض مادعا به قبل ختم خطبته العصماء. غزوة "مسجد حي النهضة" نتج عنها مقاطعة الخطيب وبدء شجار وعراك وتشابك بالأيدي داخل المسجد لم يكن لها أي مبررات.
مرة أخرى، بغض النظر عن حيثيات الواقعة، أعتقد أنه يجب إيقاف الإمام المفحط عن العمل والتحقيق معه بسبب تسييس خطبة الجمعة. أعتقد أن وظيفة الخطيب – كما أوضح أحد المشايخ - هي لمّ الشمل، وعدم الدخول في الأمور التي قد لا يدرك غاياتها ومنتهاها. لايجب السماح أو التغاضي عن إيصال الخلافات السياسية إلى منابر المساجد؛ وظيفة الخطيب ليست التفحيط الأيدولوجي المقيت بل توحيد المسلمين والابتعاد عما يثير الفتن والشبهات.
ربما أن هذه فرصة مواتية لأشيد بموقف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إياد أمين مدني، الذي ندد بإزهاق أرواح ما لا يقل عن 60 شخصا، وتدمير الكنائس يوم 29 يونيو 2014 في أعقاب الهجمات التي طالت أربع قرى على الأقل بالقرب من شيبوك في شمال شرق نيجيريا على أيدي مجموعة إرهابية.
بصراحة أستغرب عدم قيام كثير من الأئمة والخطباء بإتخاذ موقف مماثل لموقف إياد مدني. كنت أتمنى أن يتحفنا هؤلاء الخطباء الذين فحطوا في مصلى العيد المخصص للنساء، أو الذين امتنعوا عن إدانة الاعتداء الارهابي في شرورة، أو الذين عبروا عن موقفهم المؤيد للإخوان الارهابيين علناً في المساجد – كنت أتمنى أن يدينوا الأعمال الاجرامية لبوكو حرام في نيجيريا و ما يسمى "دولة الخلافة الاسلامية" في العراق والشام على انتهاكاتهم لأماكن العبادة والتعدي على المسيحيين.
موقف خطباء المساجد يجب أن يكون مناهضاً للإرهاب والتطرف بجميع أشكاله وتجلياته، وليس محرضاً على التفرقة والكراهية والبغضاء والعنصرية.

July 30, 2014

إجازة العيد في الشارقة

صحيفة الرؤية
مقال عبدالله العلمي
إجازة العيد في الشارقة
26 يوليو 2014

في زياراتي المتعددة للشارقة يشد انتباهي التغيير الإيجابي السريع الذي مرت به عاصمة الثقافة الإسلامية على مدى السنوات القليلة الماضية.
انتَقَلَتْ الشارقة من كونها صحراء جرداء قاحلة اعتمد أهلها على التجارة والزراعة والصيد والبحث عن اللؤلؤ، لتصبح إمارة الثقافة والفكر والنهضة الحضارية والمعمارية، ولتتخذ أهميتها من دورها الريادي في المنطقة على صعيد رعاية الفنون وتكريس قيم التراث والثقافة.
وكما هي الشارقة شامخة بحصونها وتاريخها، فهي أيضاً شامخة بمدارسها وجامعاتها وكلياتها ومعاهدها العريقة. قليلة تلك الحضارات التي نجحت في صياغة هويتها بحيث جَمَعَتْ بين جذورها الإسلامية السمحاء وإرثها التاريخي العريق، وبين معاصرة الثقافات الإنسانية المتعددة والانفتاح على العالم الجديد.
انتقلت الشارقة من كونها مجرد مسار ناقل للتوابل إلى ميادين عريضة للفكر، فجمعت التناغم الاجتماعي والتمازج الثقافي مع المواقع التراثية والمعالم التاريخية في آن واحد.
لا تكاد الشارقة تخلو في كل عام من الفعاليات الثقافية كأيام الشارقة التراثية، وأيام الشارقة المسرحية، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة لكتاب الطفل، ومهرجان الشارقة للمسرح المدرسي، ومهرجان الإمارات للمسرح الجامعي، ومهرجان الشارقة للفنون الإسلامية. نالت الشارقة باستحقاق عام 1998 لقب اليونسكو «عاصمة الثقافة العربية»، كما نالت هذا العام لقب «عاصمة الثقافة الإسلامية 2014».
واستكمالاً للنهضة الفكرية والحضارية، تألقت الشارقة بمدنها الرئيسة؛ مدينة الذيد بأراضيها الخصبة ومزارعها المعطاء، والشاهد على ذلك فراولة الذيد الشهيرة التي يتم تصديرها لأسواق أوروبا والشرق الأقصى. أما خورفكان، عروس الساحل الشرقي فهي تجمع بين جمال البحر وشموخ الجبل .. الشموخ الذي قاوم الاستعمار الإنجليزي والبرتغالي والفرنسي.
إذا اتجهنا شرقاً تستقبلنا مدينة كلباء بحصونها الأبية مثل حصن كلباء وحصن الزعاب في خور كلباء وقلعة الغيل الأثرية. أما مدينة دبا الحصن فقد ارتبط اسمها بسوق من أسواق العرب بالجاهلية مثل سوق عكاظ وعدن وعمان وحضرموت.
إجازة هذا العيد سأقضيها في الشارقة، فهي كما قال الشاعر:


يا شارقه يا موطن الخلاني
أحببتكِ حبًّ الودودِ الحان
يا لكِ من معـشوقةٍ مياسةٍ
سلابةٍ لـلعقلِ والوجدانِ

July 23, 2014

إلا القضاء

إلا القضاء
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
23 يوليو 2014

قرار المجلس الأعلى للقضاء رفع الحصانة وكف اليد عن ثلاثة قضاة؛ ثبت تورطهم في شبهة استخراج صكوك بطرق غير قانونية، بلغ إجمالي مساحاتها 400 مليون متر مربع، موزعة على 6 مدن ساحلية، لصالح رجال أعمال وهوامير عقارات، خطوة في الطريق الصحيح، ولكنها غير كافية. المفروض البدء في استجواب القضاة المتهمين ومحاكمتهم، هم ومن وراءهم.
المفترض أن هؤلاء القضاة درسوا بتعمق أحكام الجنايات وقواعدها في الشريعة والقانون، ولكن ما شد انتباهي أن التقارير كشفت أن القضاة المتهمين أدينوا سابقاً في تهم تزوير صكوك أخرى بطرق غير شرعية (هل هناك تزوير صكوك بطرق شرعية؟)
قد يجادل البعض أن هذه حالات فردية.. إذا كان الأمر كذلك، ماذا عن رصد وزارة العدل صكوكا بمساحات شاسعة جداً متعددة المواقع في مدينة الرياض، تم استخراجها بطريقة غير نظامية تجاوزت مساحتها نصف المليار متر مربع من الأراضي، وقيمتها حوالي 400 مليار ريال؟
سأفترض جدلاً أن هذه أيضاً حالة فردية، هل أتاكُم حديث كتاب الضبط الذين تعاملوا مع القاضي المتهم بتزوير 44 صكا في إحدى المناطق، والذين أدلوا بشهادات تشير إلى خطته المُحْكَمَة للاستيلاء على أراض حكومية، فضلا عن تسلمه رشاوى تقارب المليون ريال لإنجاز معاملات رسمية؟ من ضمن الأطراف الذين تعاونوا مع القاضي المتهم، رئيس كتابة عدل سابق وعدد من كتاب العدل وجهت لهم تهم التزوير والرشوة والتكسب من الوظيفة، وسوء استعمال السلطة، والعبث بالأنظمة والتعليمات.
هذا ليس كل شيء، فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل طمس وإعادة كتابة بيانات في المعاملات التي تم حصرها وتحريرها في مكتب القاضي المتهم بقصد تضليل المحكمة، إضافة لتصوير بطاقات مواطنين من مراجعي المحكمة واستخدامهم دون علمهم، كشهود أو مزكين أو مشترين لصكوك مزورة.
بالمناسبة هذا ليس قاضٍيا عاديا، بل شغل فضيلته منصب رئيس مساعد لإحدى المحاكم في إحدى المناطق. المدعي العام قدم 180 دليلاً وقرينة عليه (على القاضي المتهم) من بينها اعترافاته المصدّق عليها شرعاً بتورطه في الجرائم المنسوبة إليه، بتزوير الصكوك، والتلاعب في أحكام واستغلال وظيفته لمصلحته الشخصية، والعبث بالأنظمة والتعليمات، وتلقيه رشاوى ومبالغ للحكم لصالح مواطن ضد إحدى الوزارات مقابل مبالغ مالية.
لعل هذه فرصة لأطالب وزارة العدل السعودية بتعيين مساعدين قضائيين شرعيين وقانونيين يبحثون في القضايا ويعدونها للقضاة ويرافقوهم على المنصة، كما هو الوضع في كل بلاد العالم، مما قد يحد من بعض التصرفات “الفردية” الشاذة.
حتى لا يكون هذا المقال جاداً وجافاً دعوني أذَكّركم بقضية “فردية” أخرى عُرِفَ بطلها بقاضي “الجنّي” في المدينة المنورة، والذي وجهت إليه (أي للقاضي) 11 تهمة منها الاستيلاء على أموال طائلة تصل إلى أكثر من 590 مليون ريال، إضافة لاتهامات أخرى بالرشوة والتزوير واستغلال النفوذ الوظيفي. لم يعمل هذا القاضي مع «الجنّي» منفردين، بل تعاون معهما أكثر من 30 شخصاً متهماً، بينهم موظفون في أقسام هيئة الخبراء والنظر والسجلات في مكتب القاضي بالمحكمة. هؤلاء ليسوا كل أطراف القضية. هناك أيضاً راقٍ شرعي روى لوسائل الإعلام استنطاقه «للجنّي» الملعون الذي تلبّس القاضي المسكين. الراقي أكد أن (الجنّي) تكلم على لسان القاضي وسرد الكثير من التفاصيل، أشك أن يكون من ضمنها اسم شخصية هامة، أو رقم حساب في أحد البنوك السويسرية.
لعلي أذكركم بحالة “فردية” أخرى وهي ثبوت تورط 4 قضاة وعدد من كتاب العدل في شهر مارس من هذا العام في تزوير صكوك أراض بمقابل مادي بمنطقتي الرياض ومكة المكرمة. بما أن هذه القضية- مثل جميع حالات النصب والتزوير والاحتيال- حالات فردية، فقد أصدر المجلس الأعلى للقضاء عدة قرارات من ضمنها طي قيد هؤلاء القضاة الذين ثبتت عليهم الأدلة الدامغة.
للإنصاف والمصداقية، لا بد من التنويه بجهود وزارة العدل السعودية ولو أنها متأخرة وخجولة. من ضمن الجهود الأخيرة للوزارة اعتماد نظام إلكتروني عَمّمَته إدارة تقنية المعلومات لحسابات الملكيات العقارية. ولكن حتى هنا، لا يزال بعض القضاة يصرون على عدم الاعتراف بأساليب التقنية الحديثة، ويستخدمون “القيراط” في حسابات الملكيات والصكوك العقارية.
أستغفر الله العظيم، لا أدّعي أو ألَمّحُ إلى أن الوسائل القديمة تشجع على التلاعب في الصكوك، ولكن أساليب التقنية الحديثة تحد من إمكانية تزوير الأوراق الرسمية.
في الوقت الذي تخطط فيه إحدى الدول الخليجية المجاورة لإطلاق مسبار فضائي للمريخ خلال السنوات القليلة القادمة، مازال بعض القضاة ضد “إطلاق” أبسط وسائل التقنية في معاملاتهم الرسمية اليومية للحد من الإخلال بالمقتضيات الشرعية أو النظامية، والقضاء على الاختلاسات الفلكية.

http://www.alarab.co.uk/?id=28644

July 22, 2014

تعقيب من رئيس حملة السكينة لتعزيز الوسطية

كما وصلني من فضيلة الشيخ عبدالمنعم المشوح، رئيس حملة السكينة لتعزيز الوسطية تعقيباً على استطلاع صحيفة "الحياة" : 92 في المئة من السعوديين يرون «داعش» موافقة لقيم الإسلام والشريعة الإسلامية.


سعادة الأستاذ / عبدالله العلمي   الموقر 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
أتمنى تكون في خير وسعادة . 
زودني الزملاء في تويتر بتغريداتك حول ما نشرته صحيفة الحياة خبر الإحصائية 92 % من السعوديين ... 
وأحببت أولا أتشرف بشكرك على اهتمامك وتعديل الفهم الخاطيء لدى بعض القراء ظنا منهم أن حملة السكينة صاحبة الدراسة !  
وثانيا فرصة لإيصال إعجابي الشخصي بكتاباتك الاجتماعية العميقة رغم تخصصك الاقتصادي لكن قلمك يحمل مشرطا تحليليا للمجتمع .. رشيق ونافذ . 
رغم تحفظي على بعض التفاصيل واختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا ، لكن يظل قلمك راقيا وصادقا .  
وثالثا أستاذي الكريم 
نحن نعيش أزمة ومعاناة في مجال الدراسات والأبحاث وقياس الرأي وهذا يؤثر سلبا على أداء عملنا التوعوي  ونطمح .. نتمنى .. نأمل .. كل أفعال التمني أن تتعاون معنا الجهات المعنية بالأبحاث والدراسات لقياس التطرف في مجتمعنا بشفافية ومصداقية وواقعية . 
بدأنا بشكل جزئي وهو قياس التطرف العنيف في شبكات التواصل لكن المؤمل طرح مشروع أوسع وأكثر علمية . 
هذا سيفيدنا وجميع الجهات في معرفة الاتجاهات الخطرة وفي بناء برامج معالجة بشكل سليم . 
أكرر شكري لشخصكم الكريم 
ولن نستغنى من نصائحك وتوجيهاتك . 
رئيس حملة السكينة لتعزيز الوسطية 
عبدالمنعم المشوح

July 21, 2014

المحطة القادمة...المريخ

عبدالله العلمي
الرؤية الاماراتية
21 يوليو 2014

يشهد العالم في العام 2021 وصول المسبار الفضائي الإماراتي لكوكب المريخ بعد رحلة تستغرق تسعة أشهر يقطع خلالها أكثر من 60 مليون كيلومتر.
تأتي هذه الرحلة تزامناً مع الذكرى الخمسين لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة. لن ينتظر العلماء الإماراتيون كثيراً، فهم قد بدؤوا فعلاً وبشكل رسمي السباق العالمي لاستكشاف الفضاء الخارجي متزامناً مع إنشاء وكالة الفضاء الإماراتية.
نعم، دخلت الإمارات عصراً جديداً من التطور العلمي والتقني وبدأت تتضح قدرة واستعداد المواطن الإماراتي للتعامل مع التقنية بكل نجاح وتفوق. فريق العمل الإماراتي يستعد للانطلاق للمحطة المقبلة؛ رحلة استكشافية علمية تصل للكوكب الأحمر خلال سبع السنوات المقبلة.
تجاوزت الاستثمارات الإماراتية المرتبطة بصناعات ومشاريع الفضاء 20 مليار درهم. إطلاق المسبار الفضائي الإماراتي يضيف لبنة صلبة جديدة لهذه الاستثمارات ويعزز منظومة المعرفة والتطور التقني إضافة لبناء كوادر بشرية وطنية على درجة عالية من التنافسية العلمية.
ولكن لماذا المريخ؟ قطاع الفضاء يعد الركيزة الأساسية لدعم مسيرة التميز، وهذه الخطوة تعزز من ريادة دولة الإمارات وتفوقها على خريطة العالم المتقدم علمياً وتقنياً. مشروع المسبار الفضائي سيكون بنية أساسية لصناعة فضاء إماراتية إضافة لتوفير فرص عمل جديدة للمواطنين وتعزيز الاقتصاد الوطني وتنمية الفرد والمجتمع الإماراتي.
إضاقة لذلك، المؤهلات الاقتصادية لدولة الإمارات تشهد على استعدادها لخوض هذه التجربة الفريدة؛ فالإمارات تحتل المرتبة الثانية والعشرين على مستوى العالم في أسعار الصرف في السوق، وهي ثاني أكبر دولة في القوة الشرائية للفرد الواحد، وعلى نسبة عالية نسبياً في مؤشر التنمية البشرية للقارة الآسيوية وتأتي في المرتبة السابعة في العالم من حيث احتياطياتها النفطية. بالتالي، فإن الإمارات مؤهلة لاحتضان أحدث الإنجازات العلمية والعمل على إكمال مسيرة الرقي والتطور والتنمية المستدامة.
الإيجابيات الناتجة عن هذا المشروع العلمي الضخم كثيرة، ربما من أهمها خلق بيئة محفزة للإبداع العلمي تكون قادرة على استقطاب طاقات الشباب الإماراتي وتوجيهها للمسار التنموي الصحيح وبناء مستقبل واعد وتحقيق أهداف خطط التنمية الشاملة.

http://alroeya.ae/2014/07/21/165033

July 16, 2014

الداعية وفوبيا المرأة

الداعية وفوبيا المرأة
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
16 يوليو 2014

الوصفة السحرية لمن يريد البحث عن الشهرة في وسائل التواصل الاجتماعي وتسجيلات “يوتيوب” والمقابلات التلفزيونية، هي تسويق الحرب على “المشروع التغريبي”، إضافة إلى ترديد الألفاظ المؤذية التي لا تصدر إلا من جاهل، أو من يحتاج إلى درس في الأخلاق العامة.
حامل راية محاربة “المشروع التغريبي” يتهم الصحافة العالمية بأن المرأة السعودية هي شغلهم الشاغل، بينما هو في حقيقة الأمر يكرس قلمه وصوته للمنع والتهميش والإقصاء والإلغاء والتشكيك والقذف والسب بكل شيء يتعلق بالمرأة.
في نظر بعض الدعاة، المرأة السعودية بدأت “تتفلت” وأنهم هم من سيحمونها من المشروع التغريبي، ومن كل من يريد تحقيق أجندة وطموحات غربية. المرأة في نظرهم تحولت من الستر التام إلى العمل كاشيرة (لم نكن نعلم أن كاشيرة تعني راقصة)، وإذا أرادت مزاولة الرياضة، فهي بذلك تقلد البنات في العالم الإسلامي حيث بدأت الرياضة في المدارس، وأدت إلى دعارة (لم نكن نعلم أن الدعارة منتشرة في 99 بالمئة من العالم الإسلامي).
أحد الدعاة المهووسين بفوبيا المرأة طالب بالتحرش بالنساء العاملات لتحقيق الهدف الأسمى للقضاء على “المشروع التغريبي”. إضافة إلى ذلك، قَذَفَ هذا الداعية أهالي المبتعثات ووصفهم بأبشع الصفات، واتهم قانون منع التحرش بأنه قانون مستورد من الغرب يدعو إلى الدعارة ولا يتعارض مع البغاء، بل إن الزنا فيه حلال.
نعم هو نفسه من طالب أن تًفرَض على الفتى الوسيم الحصانة، واقترحَ إلباس الطفلات النقاب لحمايتهن من التحرش الجنسي! كل هذا للقضاء على “المشروع التغريبي”. اختصر فضيلته ابتعاث الطالبات بجملة (حكيمة) واحدة: “لو ترك رجل ابنته في طريق في محطة فيها عمال ستة أشهر، فهل هذا غيور على محارمه؟” لله درك يا شيخ، ما هذه العبقرية الفذة؟
اتهم العاملين في القطاع الصحي بالتحرش بنسبة تصل إلى 100 بالمئة. كيف يمكن لأي شخص أن يخرج في الإعلام ويقذف ويتطاول على الأعراض بشكل واضح، دون أن يجرؤ أحد من الجهات الرسمية على ملاحقته؟ لا أستغرب مطلقاً السكوت الرسمي من وزارة الصحة أو أي جهة أخرى، بإمكان أي داعية أن يقذف ويسبّ وزيرا في عقر داره بالوزارة، ويدعو عليه بالسرطان دون أي ملاحقة قانونية. الصمت الخجول أمام مد الفكر المتشدد المتشبع بالكراهية والبغضاء والتنطع والتخلف، وعدم التعامل الجاد مع هذا التطاول سيؤديان إلى ازدياد انقسام المجتمع على نفسه عوضا عن التكاتف لإعمار الأرض والتطور والتنمية.
أما استنتاجه الأخير والخطير فهو أن في بلاد الحرمين مشروع تغريبي منظم تقف خلفه دول تهدف إلى نشر الفجور عن طريق المرأة. بمعنى آخر، دول العالم غير معنية بتطوير الكيمياء والفيزياء والطب والصعود إلى الفضاء، بقدر حرصها على أن تعمل المرأة السعودية كاشيرة في محل تجاري!
بلغ السيل الزبى، الرأي العام السعودي طالب في شبكات التواصل الاجتماعي باتخاذ إجراءات قانونية، وسائل الإعلام تتحدث عن بدء مجموعة من الأطباء والطبيبات الإجراءات النظامية لمقاضاة الداعية. عدم اتخاذ هذه الخطوة سيجعل آخرين يتمادون على حساب سمعة من سخّروا أنفسهم لخدمة المرضى والمحتاجين.
هذه ليست أول مرة- ولن تكون الأخيرة- التي يتم فيها قذف شرائح عريضة من المجتمع باسم محاربة “المشروع التغريبي”، فقد مرت السعودية بتقليعات أخرى تم فيها تخوين أمانة الصحفيين والإعلاميين والكتّاب، بل والتشكيك في أعراضهم ووطنيتهم.
في الوقت الذي يطالب فيه الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبداللطيف آل الشيخ، أعضاء الهيئة بالحرص على توعية المجتمع وتوجيههم وفق هدي الكتاب والسنة، والتعامل معهم باحترام وتقدير، والدعوة بالتي هي أحسن وفق ما يرضي الله عز وجل، كان هذا الداعية يقذف النساء والرجال والطبيبات والأطباء، وينشر تغريدات مسيئة لشخصيات عامة تحت راية منع الاختلاط والسفور والتبرج، إضافة إلى مفردات أخرى من المعيب ترديدها هنا. كل هذا حرصا على حماية الوطن من “المشروع التغريبي” الذي لابد أنه فَتَكَ بـ 99 بالمئة من العالم الإسلامي.
رسالتي للغلاة الذين يرون المرأة “غصة في حلوقهم”:
علا رجب ستستمر في المشاركة في مهرجان “رمضاننا كدا” في المدينة التاريخية بجدة،
مروة العيفة لن تتوقف عن التألق في الراليات الدولية،
لينا المعينا كابتن فريق كرة السلة النسائي ستظل تطالب بقسم تربية رياضية بالجامعات السعودية،
نادي “أتميز″ الصيفي سيستمر في تقديم برامج رياضية نسائية في كرة السلة والمضرب في الدمام،
سلوى الهزاع ستظل تعالج المرضى،
وبناتنا المبتعثات سيَعُدْن إلى الوطن بعد أن يحصلن على أعلى الشهادات للمشاركة في مشروعنا الوحيد: البناء والتنمية وفق المنهج المعتدل الوسطي دون خزعبلات أو هرطقات.

http://www.alarab.co.uk/?id=28027

July 14, 2014

الحصان والأسهم

الحصان والأسهم
عبدالله العلمي
الرؤية الاماراتية
14 يوليو 2014

حدثنا ابن الحميدي في أحد المنتديات عن حكمة قديمة عند الهنود الحمر تقول: «إذا اكتشفت أنك تركب حصاناً ميتاً (أو على وشك الموت) فإن أفضل استراتيجية هي أن تنزل عنه». أنقل هنا ـ بتصرف ـ تطبيق هذه النظرية على تداول الأسهم.
يعتقد البعض ـ وخصوصاً الهوامير ـ أن استعمال سوط أقوى (شراء سهم عود) قد يشجع الحصان على النهوض والمضي قدماً ويتغير اللون الأحمر إلى أخضر. أما بعض شركات الاستشارات فهي «مهووسة» بتشكيل لجان لعمل دراسات جدوى لهذا الحصان وتأليف الخطط مما ينتج عنها زيادة التجزئة وانعدام الشفافية.
شركات أخرى تعتقد أن رفع معايير ركوب الأحصنة المريضة هو الحل. بمعنى آخر، تأجيل تطبيق القوانين والتساهل في تفعيل الأنظمة لأن ذلك يرفع علاوة الإصدار والعمولات التي «تُشفط» من جيوب صغار المتداولين. ماذا عن إجراء مقارنة مع الخيول المريضة الأخرى؟ بما أن هناك شركات أيضاً مريضة وربما وهمية في السوق، فلا بأس من «التراجع التصحيحي» بغض النظر عن مستوى الدعم أو الحدود الدنيا المنخفضة.
هناك من يعتقد أن ربط عدة خيول مريضة مع بعضها يزيد من سرعتها، أي «إعادة هيكلة» أو «دمج» مما ينتج عنه «تدوير نفس السهم» على أمل خفض النفقات وزيادة الربحية. البعض الآخر يجزم أن نقل مخصصات مالية إضافية ترفع أداء الحصان، وأن «تسييل المحافظ» وخصوصاً من قبل المضاربين نتيجتها «جني الأرواح».
الفلاسفة يؤكدون أن شراء أدوات تجعل الحصان المريض يجري بسرعة أكبر أو ما يعرف «بالترقيع» يحد من مستويات الذبذبة لتستفيد «النخبة» القليلة من المساهمين. محال التخفيضات رفعت شعار أن الحصان يكون «أفضل وأسرع وأرخص» إذا كان مريضاً، ولهذا ترتفع مكررات الربحية في الشركات الخاسرة لمستويات عالية يصاحبها «تلميع» اللوحات الخارجية. أما جاري، موظف البنك، فهو يعتقد أن أفضل حل هو ترك الحصان المريض على ما هو عليه لعله يسترجع صحته وعافيته. هذه الطريقة تسمى «التصحيح التلقائي» الذي يشهده السوق نتيجة للسيولة المالية التي يضخها الصغار في جيوب الكبار.

http://alroeya.ae/2014/07/14/163524

July 9, 2014

المحرضون

المحرضون
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
9 يوليو 2014

في نوفمبر 1995 كـان أربعة شباب سعوديين في عمر الزهور يقودون سيارة في أحد شوارع الرياض. انطلقت السيارة المشؤومة إلى حي العليا (شارع الأمير سلطان) لتنفـجر بعد ذلك بالقرب من مبنى سكنـي يقطنـه خبـراء أجانب يعملـون لصالح مركز التدريب للحرس الوطني.
التاريخ يعيد نفسه. تم الكشف أن الانتحاري الذي فجر نفسه في «غزوة بيروت» الشهر الماضي يبلغ 20 عاما، وهو مطلوب من السلطات السعودية، وأن الموقوف يبلغ 20 عاما وأيضا سعودي الجنسية.
ما الذي دفع هذين الشابين إلى الانتقال من فصول الدراسة إلى أحضان الإرهاب، فحملا السلاح عوضا عن الكتاب بنية تفجير وقتل الآمنين؟
أسس جهيمـان العتيبي التاريخ الحديـث للأعمال الإرهابية في السعودية التي اعتمدت في مجملها على تحريض الفتاوى. في 1996 وقعت تفجيرات إرهابية في الخبر وقتل عدد كبير من المدنيين.
شهد عام 2003 الاعتداء الإرهابي على مجمعـات الحمـراء وغرناطـة وأشبيلـية وحي المحيا في الرياض، تلاه في 2004 تفجير مبنى المـرور ومـواجهـات حي النخيـل وتفجيرات المعذر إضافة إلى خمس عمليات إرهابيـة في مدينـة ينبع ومذبحة الراكة المشؤومة في الخبر.
العلامة الفارقة في 2005 كانت مواجهات حي الجوازات بالرس، وفي عام 2006 الاعتداء الإرهابي على مرافق أرامكو في ابقيق. ما يثير الاهتمام أن مرتكبي هـذه الجرائم الإرهابية أصبحوا معروفين ونشرت صورهم في الصحف المحلية والعالمية، وأصبح يُشار إلينـا بالبنان، بينمـا المحرضون على «الجهاد» يختبئون في قصورهم العاجيـة، أو يظهـرون ببشوتهم الفاخرة يُنَظِرون في برامج الفتاوى الفضائية وخطب الجمعة الحماسية المنمقة.
كيف ترك الشباب السعودي قاعات الجامعة وكتب العلم والتحقوا بعصابات «الصحوة» ذات الثقافـة الهشـة، ذات مرجعيـة «الكاسيت» الرخيص والكتيبات «الصفراء» وبعض الخطب المملة التحريضية؟ من أبـرز منتجات هذه «الصحوة»، الكم الهائل من الإرهاب الفكري الذي عصف بعقول أبناء الوطن، حتى دفعهم هذا الفكر المقيت إلى مصيدة القلق والاكتئاب والكراهية.
أبدع المحرضون في بيع منتجاتهم “الموقوتة” فسرقوا البهجة والفرحة من حياتنا وعملوا على ترسيخ مبدأ كراهية الدنيا، وأقحموا الشباب في مجالس العـزاء اليومية، وكأن الدين كله مختصر في التحريـض علـى قـتل «المشركـين والنصـارى».
كيف أصبح السعودي موضع شبهة في مطارات العالم؟ ثم ماذا عن المدعو إبراهيم عسيري، صانع القنابل المتهم بالتعاون مع تنظيم «داعش» والمنظمات الإرهابية الأخرى لاستهداف رحلات جوية غربية؟
ما الذي دفع العسيري، الكيميائي البارع، من التحول من خدمة وطنه بعلمه وفكره، إلى صانع محترف للقنابل على رأس قائمـة المطلوبين في العالم؟ للأسف، المسجد- رحاب السلام والاطمئنان- ما زال وسيظل أقوى وسائـل الإعـلام، على الإطـلاق، لتأثر الناس وقبولهم لما يقوله المحرضون.
نجح المحرضون، للأسف، في وأد التفاؤل والخير والحياة والنجاح، واستبدلـوا بهـا صور الإحبـاط و«الاستشهاد» وصور عذاب القبر وعذاب النار. بالتالي، حقق المحرضون هدفهم باليأس من العمل، عوضـا عن احتضان القيم الإسلامية السمحاء التي تحفز الإنسان على العلم والعمل والبناء.
دعوا لخراب الدنيا عوضا عن الدعوة إلى عمارة الأرض، حرضوا عبر فتاوى البغضاء والحقد والكراهية على القتل وجز الرقاب، عوضـا عن السعي في تحصيل العلـم وبناء الوطن والتنمية.
النجاحات الكبرى التي حققها الأمن في مكافحة خلايا الإرهاب الفاعلة والنائمة في القرن الماضي جيدة، ولكنها غير كافية.جهود المناصحة التي بذلت داخل دهاليز السجون لا شك أنها ساعدت، نوعا ما، على الحـد من عـودة الإرهابيين إلى حمـل السـلاح، ولكنها في حاجة إلى جهود فكرية وثقافية ونظامية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
من الواضح نجاح الإلحاح المقيت الذي فرضته «الصحوة» على صدر المجتمع واستنبتت له الدعم المادي والمعنوي باسم الدين، فجهز المخططون أرتالا من شبابنا، وزجوا بهم في بؤر التوتر والإرهاب حول العالم، عبر الأئمة والخطباء والمفتين الذين حرضوا أبناءنا على السفر لذبح الأبرياء. الإعلان عن إعفاء هؤلاء الأئمة بسبب تشددهم وتطرفهم وانحرافهم الفكري وربما إطلاقهم لبالونات ومفرقعات فتاوى تحريضية تعاطفا مع الجماعات الإرهابية جيد، ولكنه لا يكفي.
ما هو الحل؟ لا بد من جهد ثقافي كبير على مستوى الوطن كله يوازي- بل يتفوق- على جهود المحرضين وما تحمله قلوبهم من حقد وكراهية. أجدد دعوتي إلى لجان وزارة الشؤون الإسلامية لتعزيز جهودها لمتابعة أداء الأئمة والمفتين والخطباء.
أكرر رجائي للسلطات المختصة لإعادة تأهيل «المناصحة» ومن يقوم عليها. يجب وقف تغلغل الفكر الإرهابي في المدارس والجامعات والمساجد والمخيمات والمجمعات، لاجتثاث ما كرسته «الصحوة» على مدار أكثر من ثلاثين عاما.
الإرهاب نفق مظلم قبيح يتطلب كسر جهود القائمين عليه بصدق وشجاعة دون خوف من هيئات أو جماعات، بأمانة تعلو فـوق الشبهـات، ووضوح لا يعرف المجاملات.

July 2, 2014

الوطن لا يُحْكَمُ بالفتوى بل بالقانون

الوطن لا يُحْكَمُ بالفتوى بل بالقانون
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
2 يوليو 2014

هل الفتاوى الصادرة من أشخاص أو مؤسسات- مع الاحترام للجميع- ملزمة للمجتمع حتى بدون نص قانوني من رئيس الدولة؟ سأذكر أمثلة لآراء من الطرفين قبل أن أختم بالإجابة على السؤال.
يعتقد المتخصصون الوسطيون في علوم الشريعة أن إلزام الناس بالفتاوى إشكالية اجتهادية إلا إذا كان التحريم مجمعاً عليه شرعا، فيصبح ملزماً على ولي الأمر. ولكن بما أن أكثر من 90 بالمئة من المسائل الفقهية غير مجمع عليها، فهي محل خلاف ولا يجوز إجبار المجتمع بها.
رغم أن معظم علماء السعودية كانوا يرون في السابق أن السفر إلى الخارج وخاصة لبلاد غير المسلمين أمر محرم إلا لحاجة أو ضرورة، إلّا أن هذا الرأي بدأ ينحسر حالياً وتراجع بصورة كبيرة. لا نكاد نسمع اليوم من يحرم السفر إلا أفراد قليلون جدا ممن ينسبون أنفسهم للعلم، وليسوا من العلماء المتخصصين في المسائل الفقهية.
بإختصار، يخفف بعض العلماء من التشدد في تحريم السفر بالتأكيد على أنه مباح في الأصل، إلا أنه مرتبط بما يحققه من مصالح دينية ودنيوية، مثل أن يكون لطلب الرزق وتحصيل المعيشة.
أما الذين لا يرون في الدين إلا قطعيات يقينية في التحريم، فقد أصدروا فتاوى متشددة تضيق على الصغير والكبير. من فتاوى السفر والسياحة المثيرة للاستغراب تأكيد داعية يمني أن زيارة الأهرامات في مصر حرام شرعاً، وتعتبر من البدع الشركية وتشبيه ببعض المرتدين عن الإسلام. أما إمام وخطيب مسجد كبير معروف في الرياض فقد أفتى أن «السفر إلى بلاد الكفار محّرم نهائيا»، إلا في حال الضرورة وبشروط مرتبطة بالشبهات والحصانة والشهوات. يبدو أن الشيخ اعتمد في هذا التحريم على فتوى قديمة للجنة الإفتاء بعدم جواز السفر إلى «بلاد الكفر والدول الإباحية لما فيه من الفتن والشرور ومخالطة الكفار ومشاهدة المنكرات.»
أجد صعوبة في استيعاب تسمية البعض للبلاد الأجنبية بأنها بلاد الكفر والإباحية. للأسف، ﺧﻠط بعض العلماء أﺣﻛﺎم الدﯾن الإسلامي الحنيف ﺑﺎﻟﻌﺎدات واﻟﺗﻘﺎﻟﯾد، فاتخذوا الكثير من التوسع في جانب الاحتياط وسد الذرائع والتضييق على الناس بمنع الكثير من المباح. بالتالي، منع بعض المتشددين الكثير ﻣن اﻟﻣﺑﺎﺣﺎت منطقياً ﺑﺣﺟﺔ ﺳد اﻟذرائع.
حتى الشكليات اختلفنا عليها، فبينما أكد المفتي الأسبق في مصر الشيخ محمد أبو زهرة أن إعفاء اللحية من العادات وليس من العبادات، احتد النقاش لفترات طويلة حول إلزام إعفاء اللحية وتقصير الثوب مقرونة بعدم لبس (العقال) على الرأس كمظهر التدين والالتزام والورع والزهد والتقوى.
الخطوة التالية هي الانتقال من الشكل إلى المضمون في الترفع عن الحوار الهادئ وحجب اﻵراء اﻟﺗﻲ ﺗﺧﺎﻟف اﻟﻘول اﻟﺳﺎﺋد، فارتفعت وتيرة ظاهرة اﻟﺗﻛﻔﯾر وقضايا المرأة والفتن والاختلاط واﻟﺗوﺳﻊ فيها واﻟﺗﺷدد ﺣولها، بدون مراعاة اﻟواﻗﻊ وﺣﺎﺟﺔ اﻟﻧﺎس للخطاب الديني الهادئ. الأمثلة المتناقضة كثيرة، ومنها فتوى تحريم عمل المرأة كاشيرة في مكان عام وآمن، ولكن لا مانع من أن تعمل بائعة على أرصفة الشوارع تحت لهيب الشمس بدون ترخيص أو تدريب. عمل المرأة من أجل الرزق ليس فيه تحريم، وهو أفضل لها من أن تمد يدها للمارة.
هنا أيضاً، يعتمد البعض على الصوت الواحد للرأي الواحد والمنتمي ﻟﻣدرﺳﺔ متشنجة واﺣدة، من خالفها فهو ليبرالي ملحد وزنديق وكافر.
قس على ذلك مسألة كشف المرأة لوجهها سواء بالمنع أو التحريم المطلق، وفتاوى إباحة دم الأجانب، أو إخراجهم من جزيرة العرب. آخر الفتاوى التي صدرت مع حلول شهر رمضان المبارك من أحد أعضاء الجمعية الفقهية السعودية تحريم لعب البلياردو عبر الإنترنت مع الجنس الآخر لأنه «يفضي إلى إنشاء علاقات محرمة». هذه تشبه إلى حد كبير فتوى تحريم استعمال المرأة للأنترنت إلا بمحرم. كذلك من الأحداث الأخيرة غير المسؤولة إزالة شاشات التلفزيون في إحدى الحدائق العامة في الطائف أثناء عرض مباريات كأس العالم بحجة أنها تدعو للاختلاط.
عودة لفتاوى السفر؛ يُحَرِّم بعض العلماء السفر للسياحة، ولكنهم في نفس الوقت يطلقون الفتاوى التحريضية لدفع أبنائنا للسفر للجهاد وقتل الآخرين خارج الوطن في بلاد الدمار وما نتج عنها داخلياً من ويلات وكوارث اجتماعية وأمنية.
الفتوى ليست ملزمة لأحد سواء كانت صادرة من اللجنة الدائمة أو غيرها فردية أو جماعية، لأن هذه القضايا من صميم عمل الأجهزة التشريعية التي تنظم أمور الدولة والمجتمع والملزم هو حكم ولي الأمر. ليس هذا فحسب، بل أن التشدد في الفتاوى يتناقض مع دعوات السعودية للإسلام الوسطي وللحوار بين جميع أتباع الحضارات والأديان.
باختصار، الوطن لا يُحْكَم بالفتوى بل بالقانون.

http://www.alarab.co.uk/?id=26779