December 24, 2014

رياضة البنات...ملحمة عمرها 15 عاماً




رياضة البنات...ملحمة عمرها 15 عاماً
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
24 ديسمبر 2014

قرأت تقريرا هذا الأسبوع عن عدم سماح وزارة التربية والتعليم السعودية بممارسة الرياضة في مدارس البنات الحكومية أسوة بنظيراتها الأهلية. تجلت العبقرية وأبدع فكر المخططين فتوصلوا لحل وسط؛ وهو تدريس الرياضة البدنية كمادة نظرية فقط تُدَرّس كغيرها من المواد.
ذكرني التقرير بجلسة مجلس الشورى العاصفة منتصف هذا العام لمناقشة إضافة برامج للياقة البدنية لمدارس البنات. نالت التوصية 92 صوتا مؤيدا وعارضها 18. يبدو أن المعارضين هم تلك الشريحة التي امتهنت تعطيل المجتمع حتى لو لم يتصادم مع الثوابت الشرعية، وكأن رياضة البنات خروج على صحيح الدين.
إذا كان تقرير التربية والتعليم الذي أشرت إليه دقيقاً، فهو يتعارض مع تصويت مجلس الشورى المفترض، مجازاً، أنه يمثل رأي المجتمع.
هذه حالة أخرى من القرارات التي تعود إلى المجتمع ولكنها محظورة بغض النظر عما يقرره المجتمع. هذه ليست أول مرة يتم فيها إهمال توصية من الشورى للسماح للبنات بممارسة الرياضة، فقد أصدر المجلس توصية سابقة تطالب بتنظيم إشراك المرأة في الرياضة البدنية في الأندية الرياضية في المملكة وفق الضوابط الشرعية، وطبعاً التوصية لم تُنَفَّذ.
يحتج أحد المعارضين على رياضة البنات لأنها تتطلب ما يقارب 15 – 20 ألف معلمة تربية بدنية، وهذا – كما يقول – يعد رقما كبيرا جدا يمكن الاستفادة منه في مجالات أخرى. معترض آخر يزعم أن التجهيزات المدرسية بحاجة إلى إعادة نظر ودراسة بشكل معمق.
كلمة في أذن المعارضين: عندما تمتلك المرأة الأم والزوجة المعرفة والثقافة الرياضية وعياً وثقافة وممارسة، فذلك ينعكس على الأسرة، وبالتالي على المجتمع كله.
عضو آخر في الشورى اعترض على توصية اللياقة البدنية في مدارس البنات لأن المجلس لا يجب أن يصدر قرارا إلا وفق النظام الأساسي للحكم، ثم يسأل بعبقرية فذة: هل انتهت قضايا وزارة التربية والتعليم ولم يتبق أمامها إلا اللياقة البدنية للطالبات؟ تتجلى قمة الإبداع عندما يعلل عضو آخر معارضته لإدخال الرياضة في مدارس البنات بأن الوزارة معنية بالتربية والتعليم، وليست معنية بمعالجة الظواهر الصحية. تذكروا أن من واجبات عضو مجلس الشورى الالتزام التام بالحياد والموضوعية في كل ما يمارسه من أعمال داخل المجلس.
يستلّ عضو معارض آخر سيفه النشمي قائلاً: هل البيئة التعليمية مناسبة؟ هذه المقولة العبقرية تذكرني بأحد أسباب منع قيادة المرأة وهو أن البنية التحتية غير مناسبة، وكأن البيئة التحتية في سيريلانكا وجزر القمر أفضل من البيئة التحتية في السعودية. بصراحة إذا كنا سننتظر حتى توجد البيئة التعليمية لممارسة الرياضة في مدارس البنات، فنحن بحاجة لعشرات السنين إلى أن يتحقق ذلك الهدف.
طالما أن الحديث عن البيئة التحتية، من غير العدل تركيز رئاسة رعاية الشباب على الشباب ونسيان البنات، فالرياضة حق للرجال والنساء على حد سواء، والتمييز ضد المرأة ليس مقبولا هنا أو في أي حقوق أخرى على الإطلاق. أشارك عبدالواحد الحميد، عضو الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون الخليجي، استغرابه “أننا في السعودية الدولة الوحيدة التي تحرم الفتيات فرصة الحصول على اللياقة البدنية والصحية، وهذا التمييز ضد المرأة لم يعد مقبولا”. لا يجب علينا الانصياع للمتشددين ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع عبر قناعات فكرية أحادية، وخاصة هؤلاء الذين يعتبرون المرأة مجرد حالة عرضية مؤقتة أو دارًا مستأجرة.
لا أرى مانعا مـن ممارسـة الرياضة البدنية داخل مدارس البنات، فالرياضة ليست ترفا بل ضرورة صحيـة وتربوية ونفسيـة، وخاصة عندما تكون إمكانية الحركة محدودة جداً لظروف اجتماعية تتراكم كل يوم كما تتراكم السعرات الحرارية في أجسام البنات. جميع التقارير الطبية تؤكد – بدون استثناء – أن الرياضة تساعد على تنشيط الدورة الدموية والقلب، وتقلل نسبة الإصابة بالسرطان وتخفض الـوزن، إلى جانب تعزيز الجوانب النفسية الإيجابية.
أما من يتعلل أن الرياضة لم تفد الشباب في مدارسهم، وبالتالي فهي لن تكون ذات فائدة للبنات فهذا غير صحيح؛ الاحصائيات تدل على ارتفاع نسبة زيادة الوزن للرجال والنساء في المملكة إلا أن المرأة تفوق الرجل بقرابة 66 بالمئة في هذا الجانب.
في عام 1421هـ صدرت توصية من مجلس الشورى بإشراك المرأة في الرياضة البدنية ولم يتم تنفيذها. الأسبوع الماضي – بعد التوصية بـ15 عاما – سعى بعض أعضاء المجلس المخلصين لإصدار توصية لدراسة إدخال مادة التربية البدنية في مدارس البنات بمختلف المراحل الدراسية، بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية ويتناسب مع طبيعة المرأة.
يقول عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، صالح العصيمي أن العقبة التي تحول دون إدخال الرياضة لمدارس البنات شرعية، إضافة إلى المفاسد التربوية والأخلاقية والاقتصادية، مشددا على أن تدريس الرياضة للفتيات أمر لا يستقيم مع طبيعة المرأة وحشمتها ومنزلتها العظيمة في الإسلام. نسي الدكتور أن يذكر تأثير رياضة البنات على الملف النووي الإيراني وثقب الأوزون والاحتباس الحراري وانهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية.

December 22, 2014

فات الميعاد

فات الميعاد
عبدالله العلمي
الرؤية الاماراتية
22 ديسمبر 2014

في ديسمبر من عام 1949 أعلن رئيس الوزراء الأول لإسرائيل ديفيد بن جوريون أمام الكنيست في رده على طلب الأمم المتحدة تدويل القدس «القدس اليهودية جزء عضوي وغير منفصل عن تاريخ وديانة وروح شعبنا، والقدس هي القلب الذاتي لدولة إسرائيل».
و«دارت الأيام .. ومرت الأيام» وشهدت القدس المحتلة عمليات تهويد لتحويلها إلى مدينة إسرائيلية ذات أغلبية من اليهود، بل وسَنّ الكنيست قانون المواطنة العنصري الذي يشترط على الفلسطينيين التصريح بالولاء لـ «دولة يهودية» قبل منحهم الجنسية الإسرائيلية.
لم ييأس المواطن العربي، بل غنى «وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا». أما «الغلابة» الحقيقيون فهم الشعب الفلسطيني الذي صدق أنه سيستعيد القدس بالأغاني والأناشيد الحماسية.
في أكتوبر 1956، غنت أم كلثوم نشيد صلاح جاهين «واللـه زمان يا سلاحي» الذي أصبح في ما بعد نشيداً قومياً ردده طلاب المدارس من الخليج إلى المحيط وهم تحت تأثير تنويم مغناطيسي اسمه «تحرير القدس». ثم جاءت حرب 1967 فأنتجت احتلالاً إسرائيلياً بغيضاً لما تبقى من أرض القدس التاريخية، كما أنتجت المزيد من الأغاني الحماسية مثل «أصبح عندي الآن بندقية».
في الوقت الذي تمسك العرب فيه بتلحين الأغاني، كانت إسرائيل تنهش وتلتهم الأراضي الفلسطينية قطعة بعد أخرى، وتتوغل في عمليات التهويد الشرسة لمدينة القدس ضاربة بكل الأعراف والقوانين الدولية والموشحات العربية الطربية عرض الحائط.
لم يفقد العرب الأمل، شمّروا عن سواعدهم وفتحوا ـ في عقر دارهم ـ سفارات وملحقيات تجارية إسرائيلية، بل وباعوا الغاز العربي لإسرائيل وتنازلوا لها عن بحيرات المياه تحت راية التطبيع وهم يستمعون لـ «هو صحيح الهوى غلاب».
يوم الخميس الماضي، انتفض العرب صارخين «للصبر حدود»، وقدموا مشروع قرار إلى الأمم المتحدة لإنهاء احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967 في فترة زمنية لا تتعدى عام 2017. ولكن، بما أن الدب الروسي محبط من انهيار اقتصاده، والنسر الأمريكي مشغول بتعلم «السالسا» الكوبية، كان رد المجتمع الدولي على القرار العربي «فات الميعاد».

December 17, 2014

هذه الفتوى غير ملزمة

هذه الفتوى غير ملزمة
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
17 ديسمبر 2014

وجه الملك عبدالعزيز- رحمه الله- بتشكيل لجنة فقهية متخصّصة تتولى إصدار مجلة للأحكام الشرعية من كتب المذاهب الأربعة، ولكن رد فعل العلماء في تلك الفترة، لم يكن إيجابياً. الملك فيصل- رحمه الله- أيضا وجه عام 1973 هيئة كِبار العلماء بمناقشة تقنين الأحكام القضائية؛ فصدر قرار الهيئة بمنع التقنين، بل وصدرت فتوى بالأغلبية تمنع حتى تدوين الراجح من الأحكام الشرعية.
في عام 2008 أعاد الملك عبدالله بن عبدالعزيز فكرة تدوين الأحكام القضائية إلى الواجهة، وأوكل هذا الأمر إلى هيئة علمية متخصصة تكون مرتبطة به لصياغة الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية، وغيرها مما يتطلبه القضاء. الهدف واضح وصريح؛ اختيار الراجح من بين المذاهب لإصدارها على شكل مواد يلتزم بها الجميع. كان أمام هذه الهيئة ثلاثة خيارات مصيرية؛ إما أن تحسم التقنين بالقبول، أو الرفض، أو أن تؤجل البت في الأمر إلى أجل غير مسمى.
في عام 2012، رفعت هيئة كبار العلماء مشروع “تدوين وتقنين الأحكام الشرعية” للمقام السامي لاعتماده، تحقيقا للعدل بين المتنازعين والحد من اختلاف الأحكام من قضاة محكمة لأخرى أو من منطقة لأخرى.
هناك من أيد المبادرة وهناك من عارض.
المعارضون لمبدأ تقنين الأحكام القضائية يتحجّجون بعدم جواز إلزام القاضي، أي أنهم يتعللون بواقعة الإمام مالك، الذي عارض رأي الخليفة هارون الرشيد بضرورة إلزام القضاة بـ“قول”. الدافع وراء الاعتراض أن صياغة الأحكام الفقهية بأسلوب معين سواء أكان من قبل أفراد أو لجان، من الممكن أن تستأثر بإنسانيتهم، وبهذا- حسب كلامهم- تكون نسبتها إلى الشريعة ليست دقيقة. حجج المعارضين الآخرين أن التقنين ينتج عنه تعطيل التعامل مع كتب الفقه، والحجر على القضاة، والحدّ من حركة الاجتهاد والنشاط الفكري. وكما أن التشدّد يأتي من ضيق الباع وضعف الاطلاع، كذلك فإن منع التقنين حرم الوطن من تطور ونمو النظام القضائي.
أما المؤيدون للتقنين فأكدوا أنه يحقق المصلحة المرسلة وأن عدم إلزام القضاة بقوانين مكتوبة، يجعلهم عرضة للاجتهادات، وهو ما يوسّع التفاوت في الأحكام التي تصدر عن القضاة. المؤيدون للتدوين شرحوا أن تقنين الأحكام القضائية سيسهم في تقليل اللجوء إلى المحاكم، والتسريع بإصدار الأحكام، والحد من التفاوت بين الأحكام في القضاء السعودي. أليست هذه الأمور من متطلبات تطوير النظام القضائي في المملكة؟
أصبح توجه العلماء الوسطيون اليوم، وخاصة المؤيدون لتدوين الأحكام، لأن الحاجة إلى التقنين أصبحت ملحة، والإلزام بالحكم، أمر مفروغ منه. الهدف من هذا التوجه الإيجابي هو رعايةً المصلحة العامة، وحفظاً للحقوق وبالتالي تحقيق العدل والعدالة في المجتمع. إضافة إلى ذلك، فإن تدوين الفقه لا يمنع الاجتهاد المنظّم، بل أن ترك القضاة يحكمون بما يصل إليه اجتهادهم يؤدي إلى فوضى واختلاف في الأحكام للقضية الواحدة.
وأخيرا، صدر أمر خادم الحرمين الشريفين، الأسبوع الماضي، بتشكيل لجنة شرعية موسعة لوضع مدوّنة أحكام شرعية لتكون نواة لتقنين الأحكام. الموضوع هام لاتصاله وتعلقه بالمرفق القضائي الذي يتم تطويره في الوقت الحالي.
هناك رغبة جادة في إنجاز التدوين بأسرع وقت، حيث حدد الملك 180 يوما لإنهاء مشروع المدوّنة. من قراءتي لأحداث تاريخية مشابهة، لست متفائلا أن المدونة سيتم إنجازها في تلك الفترة القصيرة، فهذا مشروع ضخم رُفض لمدة ثمانين عاما مضت، ولن يكون سهلا إقناع جميع الأطراف بإمكانية تنفيذه قريبا.
على سبيل المثال، هل ستشمل المدونة الأبواب التي تخص القانون المدني والتجاري والجنائي؟ هل ستشمل أبواب القانون العام الحديث أم الخاص؟ هل ستكون المدونة استرشادية أم ملزمة؟ سأترك التشاؤم جانبا، وآمل أن تسارع اللجنة بالعمل الجاد لإنجاز هذا المشروع النبيل الذي طال انتظاره.
مسألة تدوين الأحكام وتقنينها تجاذبتها أقلام الباحثين والفقهاء ودرستها المجامع الفقهية منذ عشرات السنين. التقنين والتدوين يعتبران حجر الأساس لإكمال منظومة تطوير القضاء في إطار الخبرة القانونية والقضائية.
التقنين يعين القضاة على الحكم الشرعي الصحيح وإنزاله على الوقائع القضائية. الهدف هو تحقيق العدالة بين المتنازعين في كافة القضايا المماثلة لكل القضاة، وهذا لن يتم طالما أن الاختلاف قائم بين الأحكام في الوقائع المتماثلة. التقنين أفضل من الاعتماد على اجتهاد ومعرفة الشخص الفرد، لأن ما استجد في واقعنا محليا وإقليميا من ظروف، يقتضي إعادة النظر في نظامنا القضائي.
عودة إلى الفتوى التي صدرت بمنع التدوين، نجد أن الفتوى تتحول بكل تأكيد بل وتتغير من وقت إلى وقت، ومن مكان إلى مكان، ممّا ينفي عنها صفة الثبوت. لعل الوقت حان لنعيد النظر في بعض الفتاوى الأخرى التي عفى عنها الزمن.

http://www.alarab.co.uk/?id=40595

December 10, 2014

سجينات دون حق

سجينات دون حق
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
10 ديسمبر 2014

شدت انتباهي الأسبوع الماضي عدة حالات وقع فيها الظلم على المرأة دون وجه حق. بعض هذه الحالات استمرار إقصاء المرأة بإبعادها عن المناصب القيادية،
وبعضها مَنْعها من ممارسة حقوقها المشروعة التي تمارسها نساء العالم كافة،
والبعض الآخر عدم تمكينها تحت بند “وليّ أمرك أدْرى بأمرك”.
في كل هذه الحالات تم سجن المرأة ظلما خلف قضبان العادات والتقاليد البالية.
الحالة الأولى شكوى هيئة الهلال الأحمر السعودي من رفض بعض المواطنين إسعاف الرجل للمرأة، مما يضطر المسعف أن “يقضب الباب” خضوعا لتعليمات ولي أمر المريضة. بمعنى آخر أن تنزف المرأة دما، أو تختنق أفضل من أن يسعفها رجل، لأن ولي أمرها أدرى بأمرها. الموقف الرسمي أشد غرابة؛ المتحدث الرسمي للهلال الأحمر صرح أن رجال الهلال الأحمر يلتزمون بموقف ولي أمر المرأة المسؤول عن هذه الحالات الإسعافية. يعني سواء ساءت حالة المرأة أو ماتت على قارعة الطريق، المهم أن الجميع أدى مهمته بإخلاص وأمانة. يصبح الأمر أكثر تعقيدا -حسب الهلال الأحمر- عندما يتعرض المسعفون من الرجال لحالات اعتداء من طرف أزواج نساء في حالة مَرَضِية. الحمد لله أن مجلس الشورى أيّد الأسبوع الماضي توصية بوضع لائحة تجرّم معرقلي المسعفين عند مباشرتهم الحالات الإسعافية النسائية، وإلا ظلت المرأة حبيسة عادات وتقاليد الجاهلية.
الحالة الثانية رفض الموقع الإلكتروني لوزارة العدل، قبول المرأة ”شاهدة أو معرفة” رغم أن المحاكم لا ترفض النساء كـ”شاهدات” أو “معرفات” ورقيا على الأقل. أقترح على القائمين على الصفحة الإلكترونية في وزارة العدل التنبه إلى هذا الخطأ الذي يعطل خدمات المراجعات من جهة، ويعتبر سابقة في التمييز ضد المرأة من جهة أخرى.
الحالة الثالثة مثال حي على رمي المرأة في سجون الظلام والتخلف والجاهلية. المحكمة الجزائية في جدة تنظر في قضية تقدمت بها مبتعثة ضد والدها، تتهمه بمنعها من إكمال ابتعاثها لأنها لم تمنحه مكافأتها التي تحصلت عليها. الأب “الشهم” منع ابنته من السفر لمتابعة دراستها بعد عودتها إلى السعودية. ألم تكفل الشريعة الإسلامية حفظ الحقوق بين أفراد المجتمع؟ هل أعطى القانون هذا الأب حق إلحاق الضرر بأبنائه؟ في نهاية الأمر، يحق لكل فتاة أن تتقدم بدعوى ضد وليّ أمرها حال تعرضها للإساءة المتعمدة دون وجه حق سواء كان الأذى ماديا أو معنويا. على سبيل المثال، وحسب إحصاء وزارة العدل، نظرت محاكم المملكة في 5 قضايا تزويج دون رضا الفتيات خلال العام الماضي. على افتراض أن العدد هو 5، ولاشك أنه أكثر، لا يوجد مبرر شرعي أو أخلاقي لإجبار أي فتاة على الزواج دون رضاها.
هذه دعوة لإتاحة المزيد من الفرص التعليمية والوظيفية للمرأة. أدعو إلى إعادة النظر في مسألة موافقة أو عدم موافقة “ولي أمر” المرأة المبتعثة، إلى إتاحة مزيد الفرص لتولي المرأة المناصب القيادية.
مؤتمر القيادات الإدارية الحكومية الأسبوع الماضي أكد على قدرة النساء شغل المناصب القيادية الحكومية. أعتقد أن تولي أربع نساء فقط مناصب قيادية، منهن اثنتان في درجة معالي واثنتان للمرتبة 14 إحصائية مخجلة.
المرأة تعاني من ضعف تمثيلها في اللجان والمجالس الإدارية، وإن تمت فهي تعاني من محدودية الصلاحيات الممنوحة لها. عدم اقتناع القيادات العليا في المرافق الحكومية أو الشركات بأهمية تقلد المرأة المناصب القيادية لا يجب أن تقف عائقا أمام تمكين المرأة. أدعو إلى إعادة النظر في ضعف مشاركة المرأة في صياغة الخطط الاستراتيجية، ولمضاعفة برامج التأهيل للقيادات النسائية.
التمييز ضد المرأة يتناقض مع التشريعات الإسلامية، ومع النظام الأساسي للحكم، ومع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها السعودية.
الزميلة حسناء القنيعير ذكرت في مقال لها أنه “رغم أن المرأة السعودية حققت نجاحا وتفوقا على أكثر من صعيد، وأثبتت قدرة عالية في المطالبة بحقوقها والدفاع عن قضاياها التي تنسجم مع واقعها المتجدد؛ إلا أنه ما زال هناك من ينصب نفسه نائبا عنها في أخص خصوصياتها”.
رفض بعض أولياء الأمور أن يسعف رجل مختص امرأة من بيته، ورفض قبول المرأة ”شاهدة أو معرفة”، ومنع الأب ابنته من إكمال تعليمها إلا بتمكينه من راتبها، وإقصاء المرأة عن المناصب القيادية، ومنع المرأة من ممارسة حقوقها، محاولات يائسة لدفن المرأة خلف قضبان العادات والتقاليد، بل عنف يجب أن يتوقف بحكم الشرع والعقل والقانون.

http://www.alarab.co.uk/?id=40054


December 4, 2014

"الذيب مايهرول عبث"

"الذيب مايهرول عبث"
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
4 ديسمبر 2014

توقفت هذا الأسبوع عند تقرير حملة السكينة التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية، والذي يؤكد أن السعوديين المنضمين إلى تنظيم “داعش” لا يتجاوز عددهم 2000 شخص، فيما تصل أعداد موقوفي القاعدة والجماعات الإرهابية المتشددة إلى 11 ألف موقوف.
من قراءتي لتقرير حملة السكينة، ومن خلال مراسلاتي مع الشيخ عبدالمنعم المشوح، رئيس الحملة، الاستنتاج الواضح هو أن المواجهة الفكرية مع أصحاب التنظيمات الإرهابية ليست بالمستوى المطلوب، بل إن استمرار المواجهة بنفس المستوى “المتسامح” سوف ينتهي بها إلى الضعف أو التلاشي أمام المد السرطاني المتسارع لهذه التنظيمات الإرهابية.
داعية الفتنة يهرول، كالذئب، لتحريض الشباب على “الجهاد” تحت لواء الجماعات الإرهابية في الخارج وفي الداخل على حد سواء. التحصين الفكري للشباب لمجابهة تلك الجماعات المتطرفة بالمنهج الوسطي المعتدل، هو السبيل الأمثل لكبح جماح هذه الجماعات مثل “الإخوان” و”داعش”، وغيرهما من الذئاب الضالة.
شيوخ الفتنة، الذين يهرولون لتحريض الشباب، يعتقدون أن الانضمام “للجهاديين” في مناطق النزاع جهاد دفع مشروع، هذه ليست فقط كذبة كبرى بل ومصيبة عظمى. ولكن مع كل هذا، يعيش بيننا اليوم من يتعاطف مع “داعش” و”الإخوان” تحت شعار التسامح والتصالح، بينما هم في الواقع يكفرون مجتمعات بأكملها عبر حملاتهم الفكرية العقيمة.
علينا التفريق بين صحيح الإسلام وثوابت الدين من جهة، وبين التلاعب بالفكر والأيديولوجيا الدينية من جهة أخرى. علينا التمييز بين تفسير النصوص الشرعية السمحاء، وبين طريقة تفسيرها. علينا تصحيح الصورة القاتمة التي رسمها من يدعون إلى العنف وتدمير بنيان التماسك الاجتماعي باسم الدين، وخاصة هؤلاء الذين أضفوا على أنفسهم هالة التقديس المزيفة التي لا تمت لمنظومة أي دين أو مذهب بصلة من قريب أو بعيد. كيف وصلنا إلى مرحلة عم فيها الجهل والخرافات والخزعبلات التي كرستها ثقافة أيديولوجية مقيتة تتخذ من القشور دستورا، بل وتعتبر نفسها حاملة لواء الدين الصحيح؟
كم نحن في حاجة إلى خطاب ديني متسامح ومنفتح يؤكد المشتركات الدينية والوطنية العامة، مع النأي بالنفس عن شخصنة الخلافات المذهبية عبر الإقصاء والتكفير. لا يوجد في دين الإسلام الحنيف ما يبيح التحريض والتأجيج المستمر للعواطف والمشاعر، أو يسمح بقطع الرؤوس وسبي النساء والأطفال وغيرها من الممارسات الوحشية. نحن أمام تحدي هجمة أيديولوجية متأزمة تعمل على تكريس الجانب المعتم لتشويه الحضارة العربية والثقافة الإسلامية.
المجموعات الإرهابية التكفيرية تتمدد وتتناسل كالسرطان على امتداد الأراضي العربية، ورغم النمو الفكري والتطور الثقافي، مازالت هذه المجموعات تفرض نفسها وصية حصرية لمحاسبة البشر على نواياهم والحكم على ضمائرهم.
تتذكرون أسماء المتورطين في تنفيذ جريمة “الدالوة” الذين قبض عليهم؟ بين هؤلاء القتلة عدد غير قليل ممن انخرطوا في برنامج المناصحة. هذا يعني أن علينا العمل بجد لمراجعة البرنامج ودراسة دوافع انتكاس بعض المناصَحين وعودتهم إلى الإرهاب والتطرف.
قرأت إحصاءات توضح أن عدد المستفيدين من برنامج المناصحة بلغ 2791 شخصا، عاد منهم إلى الإرهاب 334، أي 12 بالمئة من إجمالي العدد. أي نسبة ولو كانت قليلة، تدعو إلى إعادة النظر في تفاصيل وجدوى البرنامج. على سبيل المثال، هل يتم غرس مبادئ الإصلاح والتجديد والتنوير، إضافة إلى التسامح والعدل وحقوق الأقليات وحقوق المرأة في البرنامج؟ هل يحرص المناصِحون على التوفيق بين ثنائيات متناقضة مثل النص والاجتهاد على سبيل المثال؟ لكي يكون البرنامج ناجحا علينا أن نكون أسرع من الذئاب التي تهرول لاقتناص شباب الوطن في كل مناسبة.
الصورة ليست كلها قاتمة، فقد صدرت عدة رسائل هامة مؤخرا ومنها نقاشات اللقاء الدولي “متحدون لمناهضة العنف باسم الدين” الذي نظمه مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا. الرسالة أكدت على براءة الإسلام مما يتعرض له المسلمون من تشويه لتعاليم دينهم وقيمهم ودورهم الحضاري بفعل ممارسات بعض الجماعات الإرهابية التي استخدمت الدين لتبرير أفعالها من قتل وتدمير بحق المسلمين وغيرهم.
المطالبة بمقاومة ومناهضة التطرف والعنف جيدة ومطلوبة، كذلك فإن اعتماد الحوار منهجا أساسيا لبناء السلم الأهلي والعيش المشترك وتعزيز المواطنة مبادرة نبيلة، ولكن هذه المساعي لن تكلل بالنجاح ما لم تكن هناك إدانة صريحة وعقاب صارم لما يتعرض له المجتمع من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستباحة ممنهجة للكرامة الإنسانية.
المثل الشعبي “الذيب ما يهرول عبث” ينطبق على الإرهابيين الذين يهرولون يمينا وشمالا، وكل ما نفعله هو مناصحتهم بالحسنى. الحوار المؤدب مع الذئاب عبثي ولا ترجى منه فائدة.

http://www.alarab.co.uk/?id=39574